مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (39) آيات من القرآن في ذم القسوة (17)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:22-23) .
قال ابن جرير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ).
يقول -تعالى ذكره-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا ): يعني به القرآن، ( مُتَشَابِهًا ): يقول: يشبه بعضه بعضًا، لا اختلاف فيه، ولا تضادّ.
وروي عن قتادة قوله: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ) الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف، (ومعنى الحرف الكلمة).
وعن السديّ: ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا ) قال: المتشابه: يشبه بعضه بعضًا.
وعن سعيد بن جُبَير قال: يشبه بعضه بعضًا، ويصدّق بعضه بعضًا، ويدلّ بعضه على بعض.
وقوله: ( مَثَانِيَ ) يقول: تُثنَّى فيه الأنباء والأخبار، والقضاء، والأحكام والحجج.
ثم رَوَى عن الحسن: ( مَثَانِيَ ): ثَنَّى الله فيه القضاء، تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها، وسئل عنها عكرمة (يعني: فأجاب بمثل ذلك).
وعن مجاهد قوله: ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) قال: في القرآن كله، (يعني: أن القرآن كله متشابه، وليس كما قسِّم المتشابه في آية آل عمران، أنه قسيم المحكم).
ورَوَى عن قتادة ( مَثَانِيَ ) قال: ثَنَى الله فيه الفرائض، والقضاء، والحدود، (يعني: حدود الحلال والحرام، ما يفصل بين الحلال والحرام).
وعن ابن عباس قوله: ( مَثَانِيَ ) قال: كتاب الله مثاني، ثَنّى فيه الأمر مرارًا.
وعن السديّ في قوله: ( مَثَانِيَ ) قال: كتاب الله مثاني، ثَنّى فيه الأمر مرارًا.
وعن السديّ أيضًا، في قوله: ( مَثَانِيَ ) ثنَّى في غير مكان.
عن ابن زيد في قوله: ( مَثَانِيَ ) مردّد، رُدِّد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء في أمكنةٍ كثيرةٍ.
قوله: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) يقول تعالى ذكره: تقشعرّ من سَماعه إذا تلي عليهم جلود الذين يخافون ربهم، ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) يعني: إلى العمل بما في كتاب الله، والتصديق به.
وذُكِر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- من أجل أن أصحابه سألوه الحديث.
ثم ذكر بسنده عن ابن عباس قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟ قال: فنـزلت: ( اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ).
( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ): يقول تعالى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم، ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر الله بعد ذلك، ( هُدَى اللَّهِ ) يعني: توفيق الله إياهم وفَّقهم له ( يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول: يهدي -تبارك وتعالى- بالقرآن مَن يشاء مِن عباده.
وقد يتوجَّه معنى قوله: ( ذَلِكَ هُدَى ) إلى أن يكون ذلك مِن ذكر القرآن، فيكون معنى الكلام: هذا القرآن بيان الله يهدي به مَن يشاء، يوفِّق للإيمان به مَن يشاء.
وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ): يقول -تعالى- ذكره: ومَن يخذله الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه، فيضله عنه، فما له مِن هاد، يقول: فما له من مُوَفِّق له، ومُسدد يسدده في اتباعه".
قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره قوله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ): "وَرَوَى مُرَّةُ عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله، قوله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) كيف انشرح صدره؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح. قلنا: يا رسول الله، وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله".
وخرَّجَه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع. قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (لا يصح مرفوعًا)؛ فذكر خصالًا ثلاثة، ولا شك أن مَن كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر؛ لأن دار الخلود إنما وضعت جزاءً لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك: ( جَزَاءً بَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة:17) ؟! فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انكمش العبد في أعمال البر (انكمش أي: انحصر فيها)؛ فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولهى عن طلبها، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع؛ فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظرًا في كل أمر، واقفًا متأدبًا متثبتًا حذرًا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه؛ فقد استعد للموت، فهذه علامتهم في الظاهر.
وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب.