مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (39) آيات من القرآن في ذم القسوة (17)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
وقوله -تعالى-: ( فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم ) المراد به: أبو لهب وولده، ومعنى: ( مِنْ ذِكْرِ الله ): أن قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره. وقيل: إن ( مِن ) بمعنى عن، والمعنى: قست عن قبول ذكر الله. وهذا اختيار الطبري. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله -تعالى-: اطلبوا الحوائج من السمحاء؛ فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم؛ فإني جعلت فيهم سخطي" (لا يصح مرفوعًا)، وقال مالك بن دينار: ما ضُرب عبد بعقوبةٍ أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم".
وقال القرطبي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ): "الثانية: عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قُرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قيل لها: فإن أناسًا اليوم إذا قُرِئ عليهم القرآن خرَّ أحدهم مغشيًا عليه؛ فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مرَّ ابن عمر برجلٍ من أهل القرآن ساقط، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط، ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.
وقال عمر بن عبد العزيز: ذُكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه، ثم يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رَمَى بنفسه فهو صادق (يعني: إنما هو ادعاء، ولا يفعله إذا وَجدَ خَطَر السقوط من سطح بيتٍ).
وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى -عليه السلام- بني إسرائيل ذات يوم، فشقَّ رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه؛ فإني لا أحب المبذرين، يشرح لي عن قلبه (يعني: الله -عز وجل- مُطَّلِعٍ على ما في قلبه، فلا يحتاج إلى شق صدرٍ ليراه الله).
الثالثة: قال زيد بن أسلم: "قرأ أُبي بن كعب عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه فرقُّوا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة" (مرسل).
وعن العباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها"، وعن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار".
وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء عند ذلك مستجاب.
وعن ثابت البناني قال: قال فلان: إني لأعلم متى يُستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعرَّ جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي...
قال القرطبي -رحمه الله-: وقيل: إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته، اقشعرت الجلود منه إعظامًا له، وتعجبًا من حسن ترصيعه وتهيبًا لما فيه، وهو كقوله -تعالى-: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (الحشر:21) ، فالتصدع قريب من الاقشعرار، والخشوع قريب من قوله: ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )، ومعنى لين القلب: رقته وطمأنينته وسكونه.
( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ) أي: القرآن هدى الله. وقيل: أي: الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله. ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) أي: مَن خذله فلا مرشد له. وهو يرد على القدرية وغيرهم" (انتهى من تفسير القرطبي) .
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا للين القلب، وقشعريرة الجلد، عند سماع القرآن وتلاوته.