شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قصة الذي أحبه الله لحبه لأخيه (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- العفو عن زلاته وهفواته فالاختلاف طبيعة الخلق: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) (رواه مسلم) ، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: "كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذْ أقْبَلَ أبو بَكْرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبِهِ حتَّى أبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أمَّا صَاحِبُكُمْ فقَدْ غَامَرَ ) فَسَلَّمَ وقَالَ: إنِّي كانَ بَيْنِي وبيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شيءٌ، فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لي فأبَى عَلَيَّ، فأقْبَلْتُ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أثَّمَ أبو بَكْرٍ؟ فَقالوا: لَا، فأتَى إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وجْهُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَعَّرُ، حتَّى أشْفَقَ أبو بَكْرٍ، فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنَا كُنْتُ أظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ... " (رواه البخاري) .

- موالاته ونصرته في الحق، ونصحه وإرشاده إذا تركه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ( تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (رواه البخاري) .

ثانيًا: العوامل المادية:

- المواساة بالمال التي تصل إلى المشاركة والإيثار: "جاء رجل مِن السلف إلى بيت صديقٍ له، فخرج إليه فقال: ما جاء بك؟ قال: علي أربعمائة درهم، فدخل الدار فوزنها ثم خرج فأعطاه ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه إذا كان إعطاؤه يشق عليك. فقال: إنما أبكي لأني لم أفتقد حاله فاحتاج أن يقول لي ذلك!" (التبصرة) "ورأى أحد السلف رَجُلَيْنِ يَصْطَحِبَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقِيلَ: هُمَا صَدِيقَانِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِهِمَا فَقِيرٌ، وَالْآخَرِ غَنِيٌّ؟!".

- الإعانة بالنفس والبدن على قضاء الحاجات (6) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ مِن أَنْ أعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجدِ -يَعْنِي مَسْجدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا ) (رواه الطبراني وقال الألباني: حسن لغيره) .

(3) مِن أقوال السلف في فضل صديق الخير:

- نظروا في أثر أخوة الخير في الدنيا والآخرة، فكانت منهم هذه الدرر مِن الأقوال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لِقَاءُ الْإِخْوَانِ جَلَاءُ الْأَحْزَانِ"، وقال بعض السلف: "رُب صديق أودُّ من شقيق"، وقال آخر: "أَفْضَلُ الذَّخَائِرِ أَخٌ وفِيٌّ"، وقال آخر: "صديق مُسَاعدُ عضدٌ وَسّاعدً" (أدب الدنيا والدين، ص161) .

- فقدان صاحب الخير عندهم مصيبة: قال الامام أحمد -رحمه الله-: "إذا مات أصدقاء الرجل ذل" (طبقات الحنابلة) . وقال سفيان بن عيينه: "قال لي أيوب: إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" (الآداب الشرعية) ، وقال الخليل بن أحمد: "الرجل بلا صديقٍ كاليمين بلا شمال".

وقال الشاعر:

لـكـل شـيء عـدمـتـه عـوض وما لفقد الصديق من عوض

وقال جعفر بن محمد: "لقد عظمت مكانة الصديق، ألم تسمعوا قوله -تعالى- في أهل النار: ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (الشعراء: 100-101)" .

خاتمة:

عود على بدء: لقد كان حب الرجل الصالح لأخيه في الله آثار عظيمة تظهر في إرسال مَلَك إليه يبشره بمحبة الله، التي هي سبب كل فلاح ونجاح وخير لأمثاله في الدنيا والآخرة، فمَن أحبه ربه، سعد في الدنيا والآخرة.

نسأل الله أن يجمعنا على محبته.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقصود بالحب في الله (الأخوة في الله): وهي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام، مع مَن تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية، وركائز الإيمان والعمل الصالح، وسيظهر ذلك خلال كلامنا عن فضل الحب في الله.

(2) لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: ( لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ ) قالَ: "فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا... " (متفق عليه) ، تصور إذا كان السلطان يحبك؟ وماذا سيترتب على هذه المحبة؟ فكيف إذا كان ذلك مِن الله الذي له مُلك السماوات والأرض؟!

(3) ومِن القصة معنا شاهد: وهو ما حصل لهذا الرجل من الخير والذكر الجميل حتى يذكره الأنبياء -عليهم السلام-.

(4) قال الخطابي في معالم السنن: "فسروه بالقرآن، وعلى هذا يتناول قوله -تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) (الشورى:52) ؛ لأن القلوب تحيا به، كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.

(5) وقد ذكر ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد، قصة طريفة في زيارته لإسحاق بن راهويه.

(6) والمقصود أن تؤدي له ذلك، تريد وجه الله، لا تبتغي مقابلًا منه، ولا ذكرًا مِن غيره.

الصفحة السابقة