شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (65) التربية البدنية والتربية الرياضية "ما ينبغي وما لا يجوز" (3-3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالغاية مِن التربية البدنية والتربية الرياضية هي: إعداد البدن وتقويته؛ ليكون قادرًا على تحمل أعباء الحياة ومشاقها، والقيام بوظيفته في الحياة من عبادة الله -تعالى- على الوجه المطلوب، وتعمير الأرض واستغلال ثرواتها وخيراتها، والاستفادة منها، فتقوية البدن تكون محمودة إن كانت للبناء والتشييد والإنتاج وتحصيل العلم وتحقيق التقدم والازدهار، وتقوية البدن تكون مذمومة إذا كانت للترف ونيل الحظوظ الدنيوية ومتاعها والإقدام على ما فيه مخالفة الشرع أو إفساد في الأرض.

وكم مِن أقوامٍ حباهم الله -تعالى- بالقوة، فوجهوها لمظاهر الترف والشهوات، والبطش والإفساد، فاستحقوا عقوبة الله -تعالى- وعذابه، فقوم عاد حباهم الله -تعالى- بقوة الأجساد وكثرة النعم، فتجاوزوا الحد في الإسراف والترف، (وقوم عاد هؤلاء من ذراري نوح، وهم الذين نجوا معه في السفينة وكانوا يعبدون الله وحده، ما لهم من إله غيره، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين، فلما طال عليهم الأمد وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية وقادهم من شهواتهم، وفي أولها: شهوة الملك، وشهوات المتاع وفق الهوى لا وفق شريعة الله، وكانوا يسكنون بالأحقاف، وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضرموت، يقول -سبحانه-: ( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ . إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:123-139) .

(فقد استخلفهم الله في الأرض من بعد قوم نوح، وأعطاهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية، وأعطاهم كذلك السلطان والسيطرة، وقد امتن الله عليهم بذلك، فقال سبحانه: ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأعراف:69) ، أي: زاد طولكم على الناس بسطة: أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم، وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء، والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودًا إليهم؛ رجلًا منهم، رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه، فقد كان من حق هذا الاستخلاف وهذه القوة والبسطة أن تستوجب شكر النعمة، والحذر مِن البطر واتقاء مصير الغابرين)، ولكن القوم غرتهم قوتهم حيث بلغت عاد (من الحضارة الصناعية مبلغًا يذكر، حتى تتخذ المصانع لنحت الجبال، وبناء القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات، وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشئونه بواسطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت ووقايتهم من مؤثرات الجو وغارات الأعداء، ومِن ثَمَّ سماه الله عبثا)، (فهو توجيه من الله -تعالى- لمن أوتي بسطة في جسده أن ينفق قوته وجهده فيما هو خير، وتنفق البراعة فيما ينفع الناس، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع؛ لا في الترف والزينة، ومجرد إظهار البراعة والمهارة، ويبين -سبحانه- أن قصد قوم عاد مِن ذلك هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء والتكاثر، والاستطالة في البناء، كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه من أمر هذه الدنيا وما يسخرونه فيها من القوى وغفلتهم عن تقوى الله ورقابته).

(وكم من أمة بعد عاد ظلت تفكر على هذا النحو، وتغتر هذا الغرور، وتبعد عن الله كلما تقدمت في الحضارة، وتحسب أن الإنسان قد أصبح في غنية عن الله! وهي تنتج من أسباب الدمار لغيرها والوقاية لنفسها ما تحسبه واقيًا لها من أعدائها... ثم تصبح وتمسي فإذا العذاب يصب عليها صبًّا من فوقها ومن تحتها، ومن حيث لا تعلم) (راجع الرياضة والأخلاق، ص 48 -51 بتصرفٍ) .

إن إنفاق الأعمار في اللعب واللهو، وجعله وظيفة ومهنة، والغفلة عن إنفاق العمر فيما يجدي وينفع يعرض العبد للعقوبة، فلا يأمن المنشغل باللعب واللهو مكر الله -تعالى- به، قال -تعالى-: ( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ . أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ . أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) (الأعراف:98 -100) .

الصفحة التالية