الفساد (65) التربية البدنية والتربية الرياضية "ما ينبغي وما لا يجوز" (3-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وفي المقابل: كان استخدام القوة في الجهاد، كما في قصة طالوت الذي قاد قومه من بني إسرائيل للخروج من التيه في سيناء إلى الأرض المباركة في فلسطين، فقد بيَّن -تعالى- علة تفضيله لطالوت وإعطائه الملك دون غيره ليقود قومه في قتال الأعداء، فقال -تعالى- على لسان نبي بني إسرائيل: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) (البقرة:247) ، فالقوة البدنية أصل القوة المطلوب تحصيلها، ولا جهاد ولا دفاع عن الوطن والأهل إلا بها، وهو ما حض عليه القرآن الكريم في قوله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (الأنفال:60) ، وأشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ) (رواه مسلم) .
الرياضة والترويح بدون اللهو المذموم:
إن الرياضة نشاط إنساني يتجه إليه الفرد بدافعٍ مِن فطرته التي تميل إلى تجديد النشاط وقطع الملل والرتابة من تكرار الأعمال اليومية، أما اللهو فهو التشاغل عما هو مطلوب والغفلة عما هو مرغوب، والأصل في حياة المسلم هو العمل الجاد، أما الفراغ فهو الاستثناء، والترويح في وقت هذا الفراغ لا يعني الغفلة عن المصالح الأعلى والنفع أيضًا، وهذا ما أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ ) (رواه الترمذي (1637) وابن ماجه (2811)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه إلا زيادة: "فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ") .
إن تأثرنا بالحضارة الغربية في إقبال الغربيين على اللهو والإسراف في الشهوات بلا قيودٍ في أوقات الفراغ بين أوقات العمل الجادة خاصة في الإجازات الأسبوعية والسنوية، جعلت الكثير من شبابنا ينطلق إلى الاغتراف من المتع والشهوات المتنوعة المباحة والمحرمة على اختلاف أنواعها، فلا يكتفي بممارسة الرياضة في صورتها المحمودة، بل يجنح إلى اللهو على طريقة الغرب، ولو باقتراف المحرمات!
(إنه وفقًا للمنظور الإسلامي لا يكون لعب الكبار إلا لأغراضٍ كبار، ويبقى اللعب للأطفال لأغراض كبارٍ أيضًا؛ لأن اللعب لا سيما الألعاب التنافسية الجماعية معدودة عند كل الأمم مِن وسائل التربية التي يمكن من خلالها إعطاء الأطفال صورة مصغرة عن العالم الذي سوف يواجهونه في المستقبل، ويمكن مِن خلالها للمربي أن يكتشف الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في الطفل الذي يربيه.
ومِن المفترض من الناحية التربوية: أنه يتم تدريجيًّا ومع تقدم العمر أن تدرج على قائمة أولويات الطفل أعمال جادة، فتستقطع جزءًا من وقت اللعب إلى أن يتلاشى اللعب تمامًا فلا يبقى منه إلا ما كان معينًا على الجهاد أو على ملاطفة الأهل، أو ما كان غرضه الترويح، وهو لا يكون في حياة المسلم، بل في حياة الأمم الجادة إلا شيئًا يسيرًا كالملح في الطعام، فيكون في المناسبات) (مقال: الكرة والطفولة الحضارية، م. عبد المنعم الشحات - موقع أنا السلفي - في 17/3 /2008 م) .
لا تربية رياضية بلا ملاعب وأدوات:
تتمتع بلادنا بوفرة ضخمة في أعداد الشباب، وممارسة جميع هؤلاء الشباب للألعاب لرياضة وتشجيعهم عليها يحتاج منا إلى توفير أماكن وملاعب مناسبة في نوعيتها لممارسة هذا العدد الضخم للألعاب الرياضية بطريقة فعالة وسليمة، على أن تكون تحت إشراف ومتابعة بقدر الإمكان، وتوفير كل ما يلزم من أدوات اللعب المناسبة من الحضانات ورياض الأطفال، وفي مدارس التعليم الأساسية والتعليم الثانوي بأنواعه، بل والجامعات، ويتعدى العدد في هذه المؤسسات التعليمية الخمس والعشرين مليون.
وللأسف: فالحضانات ودور الأطفال لا تتوفر فيها اللعب المناسبة الآمنة، وتفتقد الإشراف الجاد عليها، ومدارسنا بلا ملاعب أو أدوات وتفتقر بشدة إلى الأنشطة الرياضية المنتظمة والجادة، والتنافس فيها.
وكما نفتقد أماكن ممارسة الرياضة في مؤسساتنا التعليمية فهي مفتقدة أيضًا وبشدة خارجها حيث عدد النوادي الرياضية والاجتماعية ومراكز الشباب لا يتناسب مع أعداد شبابنا في مختلف الأعمار، بل تفتقر -وبشدة- إلى الساحات الشعبية والحدائق، والمتنزهات العامة التي تحوي نماذج مِن ألعابٍ للأطفال وأماكن للعب الكبار؛ ناهيك عن الاشتراكات المبالغ فيها في الأندية الرياضية بما لا يقدر عليها الأغلب من الشباب، وافتقار أكثر مراكز الشباب إلى الإمكانيات والإشراف الجاد، والمتابعة للأنشطة فيها؛ مما يصرف الشباب عنها، فهي في أكثرها خاوية على عروشها رغم ما لها من ميزانياتٍ في وزارة الشباب والرياضة، وما يسجل فيها من أنشطة على الورق لا تتناسب مع واقعها الحقيقي وتأثيرها الفعلي في البيئة المحيطة بها إلا في بعض المراكز القليلة في بعض المدن الرئيسية، أما الأغلب منها فيتخذها الكثيرون (سبوبة!) يتكسبون منها بلا عائدٍ مجدٍ منها، رغم الحاجة الشديدة إليها!
افتقاد دور مدرس التربية الرياضية الفعَّال:
إن التربية البدنية ينبغي أن تتم من خلال برامج تتناسب مع كل فئة، ومرحلة من مراحل العمر، ولكل مرحلة أدواتها وأجهزتها وألعابها الخاصة، ولكن لا قيمة لهذه البرامج والأدوات بدون مدرسي التربية الرياضية في المدارس عامة، وبدون مدربي مراكز الشباب خاصة، فهي الأماكن الأكثر شعبية، وتستهدف الغالبية من الشباب.
وإذا كنا نعاني مِن تدني أحوال المعلمين في المدارس وقلة العناية بهم وتطويرهم، وتدريبهم المنظم على كل ما هو جديد، فالوضع مع مدرسي التربية الرياضية ومدربي مراكز الشباب أسوأ بكثيرٍ.