مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (40) آيات من القرآن في ذم القسوة (18)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:22-23) .
فوائد في الآيات العظيمة:
تضمن القرآن كثيرًا بيان أحوال القلوب على اختلافها وتفاوتها بين الانشراح والضيق، والنور والظلمة، والحب والبغض والهدى والضلال، والذكر والغفلة، واللين والقسوة، واليقين والحيرة، والطمأنينة والاضطراب، والأمن والإيمان، والقلق والكفر، والعلم والجهل، وخشية الله والأمن مِن مكره، ورجاء رحمة الله واليأس والقنوط، والرضا والسخط، وإرادة القرب من الله وحبه وإرادة الحياة الدنيا وزينتها، والتوكل على الله والركون إلى الأسباب، والشكر والكفر، والقرآن مليء بذلك.
وبيان الفروق ومفتاح الخير في ذلك: الإيمان، ومغلاقه: الكفر، وأصل ذلك: تحقيق العبودية التي أصلها التصديق بالتوحيد ورسالة الرسل، ووجود أعمال القلوب وأحوالها في القلب، ثم يتحول ذلك إلى نطق اللسان بالشهادة والتزام الذل والعبودية لله بالجوارح واللسان؛ ولذا فالإيمان يتضمن ذلك كله فرضه ونفله، والناس يتفاوتون فيه، ويتفاضلون على حسب ذلك، وإن كان تفاضلهم بأعمال القلوب ودرجة يقينها أعظم بكثيرٍ مِن تفاوتهم بالأعمال الظاهرة.
وإن كانت هذه الأعمال الظاهرة هي أوعية الأحوال الباطنة، فلن يأخذ الهبة والعطاء مَن لم يملك هذا الوعاء، فقراءة القرآن مفتاح التفكر، ومعرفة معانيه وتفسيرها مفتاح التدبر، وتعلم السُّنة مفتاح العلم الظاهر والباطن، قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ . وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ . ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (فاطر:29-32) .
وقال -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( ص:29) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ . وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ . وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ . وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ . إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ . إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) (فاطر:19-24) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) (رواه مسلم) .
وقد تضمنت هاتان الآيتان مقارنة بين أحوال قلب المؤمن وبين قلب الكافر، فأول ما ذكر الله مِن صفات قلب المؤمن: أن الله شرح صدره للإسلام؛ فهو -سبحانه- الذي شرح صدور المؤمنين لهذا الدِّين؛ فانشرحت واتسعت، وكبرت ونمت، وخرجت من ظلمات الجهل والظلم إلى نور العلم والعدل؛ ولذا سأل الأنبياء -عليهم السلام- شرح الصدر وتيسير الأمر، قال -تعالى- عن موسى -عليه السلام-: ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) (طه:25-26) ، وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ . الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ . وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (الشرح:1-4) ، وبهذا الانشراح وهذه السعة وهذا النمو يتحمل المؤمن أعباء البلاغ عن الله -تعالى-.