شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (40) آيات من القرآن في ذم القسوة (18)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

فأتباع الأنبياء -عليهم السلام- لهم نصيب مِن هذا الشرح، والقيام بأعباء الدعوة إلى الله بقدر اتباعهم للأنبياء -صلوات الله عليهم-، وكذا يتحمل الأنبياء وأتباعهم أذى الناس، ويذهب عنهم الضيق الذي يكون بحكم الطبيعة البشرية، ويزول الحزن الذي يكاد يقتل؛ فانظر إلى ما ذكر الله مِن حال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6) ، ثم لما شرح الله صدره صار أقر الخلق عينًا بالله، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ) (رواه أحمد النسائي، وصححه الألباني) ، وصار أعظم الناس فرحًا بالله: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) ، وامتثل أمرَ اللهِ ونهيَّه في قوله -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (النحل:125-128) ، فاتسع قلبه لحال: "اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطلَقَاء" (السيرة النبوية لابن هشام) ، واتسع قلبه لحال: ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:92) لما جاءه أبو سفيان المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب وهو الذي هجاه نحو عشرين سنة، وهو ابن عمه مباشرة، وهجاؤه أخطر إعلاميًّا مِن هجاء غيره.

واتسع قلبه لإيمان عبد الله بن أبي أمية الذي قال له مع غيره ما ذكر الله -عز وجل-: ( وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا . وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا . قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ) (الإسراء:90-95) .

وقال له -أي: عبد الله بن أبي أمية-: "يَا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى تَأْتِيَهَا، وَتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ، مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ. وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُصَدِّقُكَ!" (تفسير ابن كثير) ، فلما آمن بعد ذلك؛ قَبِل منه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

واتسع قلبه -صلى الله عليه وسلم- لمشهد العفو وعدم الثأر والانتقام مِن وحشي قاتل حمزة -رضي الله عنه-.

فيا أخوة الإسلام...

- خذوا بأسباب شرح الصدر (بالقرآن والصلاة والسجود لله)، ولا تحزنوا على ما أصابكم مِن ظلم الناس، وأذاهم ونقضهم للعهود، وكذبهم وعدم صدقهم؛ فلن يكونوا أشد مِن أصحاب الأخدود، ولم تكونوا مثل هؤلاء الشهداء في تحملهم الإلقاء في النار.

ولن يكونوا كآل فرعون في وعدهم لموسى -عليه السلام- بالإيمان وإرسال بني إسرائيل حتى دعا ربه لرفع الرجز عنهم، وكل مرة ينقضون العهد ويعودون لتكذيبه والأذى!

- وأفسحوا صدوركم بالعفو بدل الانتقام: ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (النحل:126) ، ولن تنالوا ذلك إلا بالله وإعانته.

- واجتهدوا أن تتسع صدوركم لمشهد الشكوى إلى الله دون الناس الذي قام به يعقوب -عليه السلام-: ( قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (يوسف:85-86) .

فإن عبادة الشكوى إلى الله عبادة عظيمة تجلب للقلب أنواعًا مِن الطمأنينة، والراحة والسكون، والسعادة ما لا يمكن أن يوجد في عبادة غيرها؛ إنها عبادة أدَّاها نوح -عليه السلام- حين شكا إلى الله فقال: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) (نوح:5-7) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية