الفساد (66) سلبيات ممارسة كرة القدم وتشجيع فرقها (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا شك فيه أن ممارسة كرة القدم للترويح أو لاكتساب اللياقة البدنية، وتنشيط البدن، أمر مشروع، بل مندوب إليه؛ يستوي في ذلك ممارسة لعبة كرة القدم خاصة، أو غيرها من الألعاب الرياضية عامة؛ إذ إنها وسائل رياضية لتحقيق التربية البدنية التي هي أحد مكونات الشخصية القوية، ولكننا نخصص الكلام عن لعبة كرة القدم؛ لأنها اللعبة الشعبية الأولى سواء في مصر أو خارجها، فكل دول العالم شرقًا وغربًا صارت مفتونة بكرة القدم، متابعة أو ممارسة.
وبرغم أهمية لعبة كرة القدم لشعبيتها -فقد شابها الكثير من السلبيات-، بل وصور مِن الفساد حتى صارت سلبياتها أحيانًا وبالًا على ممارسيها ومشجعيها، وإثمها أكبر بكثيرٍ مِن نفعها؛ إذ صارت مصدرًا لمخالفة الأحكام الشرعية، وسببًا لتضييع الأخلاق والآداب الإسلامية، ومدخلًا لكثيرٍ مِن الشرور باسم التربية الرياضية، والتربية الرياضية منها براء.
وآفة تلك السلبيات والمفاسد جاءت من الأخذ بنهج الغرب في هذه الألعاب الرياضية، حيث حوَّل الغرب بفكره المادي الدنيوي الألعاب الرياضية إلى وسائل للكسب وللاحتراف، وجعلها صناعة رائجة تديرها اتحادات عالمية وهيئات تدر المليارات على المنظمين لها، والمنتفعين منها، وهي مليارات تأخذ من جيوب الشعوب؛ خاصة الشباب، يقدِّمونها عن رضا وطواعية وهم لا يعرفون عن الرياضة إلا مشاهدة ومتابعة المباريات والمسابقات، ومعرفة أخبارها ليل نهار، وأولًا بأولٍ في الملاعب أو أمام الشاشات، مضحين من أجل متعة المشاهدة وإثارة المنافسة بالأموال والأوقات والأعمار!
والعجيب في الأمر: أن الغرب وإن تسبب في جعل الألعاب الرياضية صناعة تدر المليارات ويكتسب منها؛ إلا أن الشعوب الغربية لا تهمل الممارسة للرياضة البدنية الشخصية، والعناية بالصحة العامة، والتغذية السليمة، وتجنب العادات الصحية الضارة، بعكس شعوبنا التي لا يمارس أغلبها من الرياضة الشخصية شيئًا، وتفتقد العناية بالصحة العامة والتغذية السليمة، وتتبنى الكثير مِن العادات السيئة الضارة.
والكلام عن لعبة كرة القدم يحتاج إلى الموضوعية والتجرد، وتحكيم الشرع ثم العقل، وترك التأثر بالواقع وما عليه عموم الناس وسياسات الدول؛ إذ إن حكم ممارسة لعبة القدم وكونها حرامًا أو حلالًا صار يختلف بحسب ما يقع فيه ممارس كرة القدم ومشاهدها ومشجعها من مخالفات للشرع، وما يتسبب فيه من سلبياتٍ ومفاسدَ؛ لذا يتدرج حكم ممارسة كرة القدم من الإباحة -بل والندب- إلى الكراهة أو التحريم، بل التحول إلى ارتكاب لكبيرةٍ من كبائر المعاصي من خلال ربط تلك الممارسات الرياضية بالمراهنات والمقامرة، والتلاعب بالنتائج، وقبول الرشاوى، وهو ما فاحت رائحته وأزكمت الأنوف، حيث امتلأت الصحف وتداولت الأخبار في الآونة الأخيرة الكثير من مفاسد اتحاداتها المتحكمة في تلك اللعبة على مستوى العالم، فإذا كان هذا هو حال رؤسائها فكيف حال المرؤوسين؟!
فإذا كان رب الدار بالدف ضارب فـشـيـمـة أهـــل الــدار الـرقــص
ولا شك أن الأصل في ممارسة كرة القدم ومشاهدتها أنها مشروعة ومباحة، فهي وسيلة لتنشيط البدن وتقويته، والترويح عن النفس والخروج من أعبائها ومتاعبها، وممارسة الرياضة على المستوى الفردي والجماعي عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل؛ بالطبع بعيدًا عن مفهوم الرياضة عند الغرب حاليًا كصناعةٍ ووسيلةٍ للاحتراف والكسب، فكان منها قديمًا الجري والتسابق فيه، وركوب الخيل والتسابق فيه، والرمي بأنواعه والتسابق فيه، والمصارعة والتحطيب، إلخ، ولكن هذه المشروعية وتلك الإباحة سرعان ما تفقد شيئًا فشيئًا كلما وقع الممارس لها في مخالفات شرعية أو سلبيات وهي كثيرة، وهو ما سنشير إلى البعض منها ونذكِّر به وننبه عليه، ليكون من يمارس تلك اللعبة الرياضية على بينةٍ بحكم الشرع في ممارسته لها إن أصر على البقاء على هذه المخالفة أو تلك السلبية ولم يتراجع عنها. نسأل الله -تعالى- لنا ولكل المسلمين السلامة والعافية.
إضاعة الأوقات والأعمار:
الغرب يعرف جيدًا قيمة الوقت والاستفادة منه، ويمتاز بالجدية والمثابرة في العمل، ويعيش في مستوى من المعيشة أعلى من غيره من الشعوب؛ لذا فعنده فائض في الوقت والمال يستخدمه في الترفيه والترويح خاصة في أوقات العطلات الأسبوعية والسنوية.
ومِن دأب الغربيين: المبالغة في الترفيه والترويح في أوقات الراحة والعطلات؛ إذ لا يتقيدون في ذلك بقيودٍ مِن شرعٍ أو دينٍ إلا ما تمليه عليهم قوانين وأعراف البلاد، والفرد في الحضارة الغربية المعاصرة لا يستطيع أن يجعل وقت لعبه وترفيهه يطغى على وقت عمله وإنتاجه؛ وإلا فلن يقبل أحدٌ أن يجعله عالة عليه ويقوم بشأنه، فلا بد أن يعمل ويكد ليأكل ويعيش، فإن كان هناك وقت متاح ومقدرة مالية على الترويح والترفيه فبها ونعمت وإلا فلا؛ فلا يغرنك ما تراه في الغرب من صور الإسراف والمبالغة في الترفيه ليومٍ في الأسبوع أو ساعة أو ساعتين في يوم أو شهر إجازة في العام، فوراء ذلك عمل جاد وتفانٍ فيه؛ شاء الفرد منهم أم أبى.
وعلى نقيض ذلك حالنا: فالوقت يهدر، والبطالة مرتفعة، والشباب عاطل، والعمل مستثقل، والإنتاج ضعيف؛ وبالتالي: فمستوى المعيشة متدنٍ، والحاجة ماسة للانتفاع بالوقت والإكثار من الإنتاج، ورغم عظم نسبة الشباب فالكثير منهم عالة على عائلاتهم! وأمة هذا حالها ينبغي ألا تضيع أوقاتها، ويجب أن ينصب اهتمامها على الإكثار من العمل والإنتاج، وتكون ممارسة الرياضة هنا ممارسة يشارك فيها الجميع؛ ليقوي بدنه ويزداد قدرة على العمل والإنتاج.
إن الأصل في استغلال الوقت أن يكون كل الوقت للعمل المنتج المثمر، وتكون الرياضة والترفيه في جزءٍ مِن الوقت؛ لتجديد الطاقة والنشاط، وتقوية البدن.