شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (41) آيات من القرآن في ذم القسوة (19)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (الزمر:22) .

الفائدة الثالثة: ذكر الله -عز وجل- من أحوال قلب المؤمن بعد الانشراح للإسلام الذي يترتب عليه الشعور بالسعة والراحة؛ بخلاف الضيق والكرب والكظم، ويترتب عليه تحمل أذى الخلق وسهولة الصفح والعفو، والسماحة والرحمة؛ ذكر سبحانه صفة النور، ( فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )، ونسب -سبحانه- هذا النور أنه منه؛ لأن مبدأ النور منه بإنزال كتابه الذي فيه الميزان العدل لعقائد الناس، وأعمالهم وأخلاقهم، وأحوال قلوبهم، وفيه الشرائع التي بها قِوام السماوات والأرض.

وهذا النور في قلب العبد المؤمن من الله خلقًا وإيجادًا، واصطفاءً واجتباءً، قال -تعالى-: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الحج:78) ، فالله الذي سمَّاهم المسلمين حين خلق أرواحهم، وجعلهم من أهل قبضة اليمين، وكتب أسماءهم وأسماء آبائهم في كتاب عنده بأسماء أهل الجنة، وسمَّاهم المسلمين في كتابه المنزل.

وهذا النور به عرفوا الحق من الباطل، والإسلام من الكفر، والسنة من البدعة، والحلال من الحرام، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الأنفال:29) ، وهذا مِن جهة الإجمال في اختيار دين الإسلام على ما سواه من الملل، والبراءة من كل دين سوى دين الإسلام، وشهود أنها ظلمات، قال -تعالى-: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ) (الأنعام:1) .

ومِن جهة التفصيل في كل مسائل الحياة كل عام، بل كل شهر، بل كل يوم، بل كل ساعة، فالامتحان مستمر على مَرِّ الأنفاس، قال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) (الفرقان:20) .

والواحد مِن البشر يتخذ مواقف مختلفة كل لحظة؛ حبًا وبغضًا، وأمرًا ونهيًا، ورضًا وسخطًا؛ فلو لم يكن عنده مِن النور ما يميز به بين الخير والشر لَحَار وجَار، وأخطأ ولم يَهتدِ، قال -تعالى-: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:122) .

وقال -تعالى- في بيان مَثل النور الذي جعله في قلب عبده المؤمن: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (النور:35-38) .

ثم ذكر قلوب الكفار وما فيها من الضلالات والأوهام والظلمات، فقال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (النور:39-40) .

وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( وَاجْعَلْنِي نُورًا ) (رواه مسلم) ، فهو عنده النور، وهو كذلك نور للآخرين، فصلَّى الله وسلم على السراج المنير.

الصفحة التالية