شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (41) آيات من القرآن في ذم القسوة (19)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وهذا النور مِن أهم ما نحتاجه في وسط فتن متكاثرة، كانت في الماضي كل عام مرة أو مرتين؛ صارت اليوم كل أسبوع مرة أو مرتين في أمورٍ عظيمةٍ، ربما يترتب عليها كفر وإيمان، وفساد وصلاح لمجموع من الناس أو جزءٍ كبيرٍ من الأمة، ودماء تسفك أو تعصم، فالحاجة إلى البصيرة والنور من الله ضرورية كل ساعة وربما كل نفس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) .

تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلُوبِ كالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأَيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتّى تَصِيرَ على قَلْبَيْنِ، أبْيَضَ مِثْلِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، والآخَرُ أسْوَدُ مُرْبادًّا (أي: متسخة) كالْكُوزِ مُجَخِّيًا (أي: منكوسًا) لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلّا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ " متفق عليه.

فالقلب المستنير ذو البصيرة: صلب كالصخر في الثبات على الحق في العقيدة والعمل والأخلاق الإسلامية الإيمانية، وهو في نفس الوقت لين في حقوق نفسه، سهل التسامح والعفو، والقلب المظلم: شديد الجهل والضلال في معرفة الحق والباطل، يتنازل عن الحق والدين بأيسر ثمن بخس، وهو في نفس الوقت شديد القسوة والشح بالحقوق وأخذ ما لا يستحق؛ يظلم نفسه ويظلم الناس بالبغي والاعتداء، وقد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، ورأى سبيل الضلال والغي -الذي هو فيه- سبيل الرشاد، ورأى الحق والإيمان فسادًا في الأرض، قال -تعالى-: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ) (غافر:26) .

وقال الله -عز وجل-: ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) ، فكذب في الجملة الأولى؛ فهو بالفعل يرى خلاف ما أَرَاهُ قوْمَه، ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) (الإسراء:102) ، وقال -تعالى-: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، فهو يعرف الحقيقة، ومع ذلك يقول عن موسى -عليه السلام- ساحر كذاب، وضلَّ في الجملة الثانية فهو يهديهم إلى سبيل الهلاك والردى والنار لا سبيل الرشاد؛ وسبب ذلك هو انعدام النور والبصيرة.

فسبحان الله! الذي قَسَم أحوال القلوب والأعمال والأخلاق بين الناس قسمة عدل؛ فجعل القسوة والظلمة، والظلم والكذب والفجور في الخصومة، والغدر والخيانة، واتباع الشهوات، والعدوان والبغي، صفات وأخلاق مُقارِنة للكفر والنفاق والفسوق والعصيان بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وجعل اللين والعلم والبصيرة، والعدل والصدق، والإنصاف والوفاء، وأداء الأمانات، ونهي النفس عن الهوى، والتزام الحق مع الأعداء فضلًا عن الأولياء، صفاتٍ وأخلاقٍ مُقارِنة للإسلام والإيمان والإحسان.

والناس بين الطرفين أنصبة مختلفة؛ فانظر مكانك فيها، وإن كنتَ قد رزقك الله العلم والبصيرة، والعدل والصدق والوفاء، ولو ظُلمتَ وغُبنت واعتُدي عليك وبُغي عليك؛ فاحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء مِن شيءٍ بعد.

فالدنيا كلها تزول، ظالمها يزول ومظلومها يزول، وإنما يبقى عملك وخلقك وإيمانك، باء الظالم بظلمه وفُزْتَ وربِّ الكعبة بالصفقة الرابحة، قال -تعالى-: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) (الإسراء:21) ، وقال -تعالى-: ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب ) (آل عمران:195) .

الصفحة السابقة