شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حول مقتل الحسين والاحتفال بعاشوراء

الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة

السؤال:

فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أفتونا مأجورين فيما يقوم به بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل إيران وغيرهم من الشيعة الرافضة من التطبير والنياحة، وإحداث الجروح وإسالة الدماء في يوم عاشوراء؛ بدعوى الحزن على مقتل الحسين -رضي الله عنه-، فهل لهذا الأمر من أصلٍ في الدين، وإن كان كذلك فما دليله؟ وما الواجب حيال هذا الأمر إذا لم يكن مشروعًا؟ وهل يشرع إحياء يوم عاشوراء على أنه ذكرى مقتل الحسين -رضي الله عنه- من باب موالاة أهل البيت، وإن لم يكن كذلك فما هي أسباب تعظيم أهل السنة لذلك اليوم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيوم عاشوراء من أيام الله التي يتذكر فيها أهل الإيمان نعمة الله -سبحانه وتعالى- بإنجاء موسى -عليه السلام- وقومه، وهلاك فرعون وجنده، ويقتدون بنبيهم -صلى الله عليه وسلم- في صومه متابعًا لأخيه موسى -عليه السلام-، شاكرًا نعمة الله عليه، فهي نعمة علينا كذلك، فاحتفالنا بيوم عاشوراء إنما يكون بصيامه الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه ) (رواه مسلم) ، والمستحب أن يصوم التاسعَ معه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ) (رواه مسلم) ، أي مع العاشر، مخالفة لليهود في صفة الصيام مع الموافقة في أصله، لأنه ثابت عن نبي الله موسى -عليه السلام-.

وأما التوسعة على الأهل والعيال يوم عاشوراء؛ فالحديث الوارد في ذلك ضعيف لا تقوم به حجة، فغاية ذلك أن يكون مباحًا، والأوْلى أن يكون هذا اليوم في باب الطعام والشراب كسائر الأيام.

أما ما يفعله الرافضة في هذا اليوم من إحياء ذكرى مقتل الحسين -رضي الله عنه- بإقامة المآتم والنياحة، واللطم، وجرح النفس والغير؛ فإنه من مظاهر الجاهلية، وضلالات أهل البدع، ومخالفات مَن أعرض عن الكتاب والسنة، ومسألة إحياء الذكرى السنوية لموت إنسان أيًّا مَن كان، أو لمولده؛ مِن البدع المحدثة التي تَدخل في عموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، وقوله: ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ) (رواه مسلم) .

وهل أحيا الصحابة -رضي الله عنهم- أو مَن بعدهم من التابعين وتابعيهم أو أهل العلم من بعدهم ذكرى موت خير خلق الله -تعالى-؛ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!

وهل أحيا أحد ذكرى موت أبي بكر أو مقتل عمر أو عثمان أو علي -رضي الله عنهم-، وهم أولى مِن الحسين -رضي الله عنه- وأفضل بلا نزاع بين المسلمين؟!

فما أحيا أهل السنة مولدًا ولا مأتمًا في تاريخهم النقي، وإنما أحدث ذلك أهل البدع والضلال.

ثم في كيفية إحياء مقتل الحسين باللطم والنياحة مخالفة صريحة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ ) (متفق عليه) ، وعن أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالنَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ ) (رواه مسلم) ،

فإذا كان لطم الخدود محرم وكبيرة مِن الكبائر، وليس منَّا من فعله، وإذا كان صوت النائحة صوتًا ملعونًا كما في الحديث: ( صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ) (رواه البزار في مسنده، وحسنه الألباني) ؛ فكيف بتقطيع الأجساد بالسيوف، وإسالة الدماء من الرؤوس والوجوه والأبدان؟! وهل يفعل ذلك عاقل فضلاً عن عالم، بل مسلم؟!

وكيف لمسلم السير في مواكب الخرافة بهذه الهيئة المنكرة التي تضحِك العالـَم على سخافة العقول، وتنفر الناس من زبالة الأذهان التي يدَّعون أنها دين الله -سبحانه-، فهل وَعَوْا أنهم ينفـِّرون العالم عن الإسلام جملة بما ينسبونه إليه؟!

وهل ينتفع الحسين -رضي الله عنه- الشهيد المظلوم بشيء من هذه البدع؟! إنما ينتفع باتباعهم له على منهجه وطريقته في حب أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- واتباعهم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومعرفة مغبة تصديق أمثال هؤلاء المبتدعة مِن أسلافهم الذين غروه بالنصرة، ثم باعوه وخانوه وأسلموه لمن قتله ظلمًا وعدوانًا، وإدراك مدى المصيبة التي حلت بأمة الإسلام بمقتله بترك الأسباب المؤدية إلى مثلها، ومراعاة المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز في تغيير المنكر.

وأهل السنة يعلمون أن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- سيدا شباب أهل الجنة، ولهما منزلة خاصة في الحب والود في قلوبهم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهما: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، لكن لا يشرع لأحد إحياء ذكرى موتهم؛ لما سبق من الأدلة، بل حبهم باقٍ مستمر في القلوب دون بدع وضلالات، ونحن أولى بالحسين منهم.

الصفحة التالية