شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حول مقتل الحسين والاحتفال بعاشوراء

الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة

ونحن كذلك لا نرضى بطريقة من يذم الحسن -رضي الله عنه- أو يطعن فيه ويصحح طريقة من قتله، فإن هذا مِن أهل الفساد والإجرام، وإن كان لا يلزم من ذلك تكفيره، فإنه ليس كل مَن خرج على الحاكم يكون مستحقًا للقتال فضلاً عن القتل، وإذا كان الإمام غير عدل فلا يجوز له أن يقاتل مَن خرج عليه حتى يزيل المظلمة التي ذكرها إن كانت حقـًّا، فإن أصر على الخروج والمخالفة بعد إزالة المنكر الذي نقمه فله أن يقاتله؛ لأن الله -تعالى- قال: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الحجرات:9) .

فالواجب أولاً هو الإصلاح وهو فعل الصلاح، فيلزم الإمام أولاً فعل الصلاح وترك الفساد، أما أن يصر على مقاتلتهم مع استمراره على فعل الفساد؛ فهذا لا يباح شرعًا، وإن كان فساده لا يبيح الخروج عليه لما فيه من المفاسد؛ ولذا قال الإمام مالك -رحمه الله- فيمن خرج على إمام ظالم: "دعه، ينتقم الله مِن ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما جميعًا"، والحسين -رضي الله- عنه لم يكن خارجًا على إمام عادل، بل خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مجتهدًا في مسألة المصلحة والمفسدة، وظن القدرة على إزالة المنكرات "ومدار مسألة الخروج على الأئمة إذا جاروا هو المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز" وظنَّ -رضي الله عنه- أنه لا يترتب على خروجه فساد أكبر مِن فساد صبره على جورهم، وظن كذلك القدرة على إزالة فسادهم، وكان مجتهدًا مخطئًا في تقديره، معذورًا له أجر واحد في ذلك.

ولكن خطؤه -رضي الله عنه- لم يكن ليبيح لهم قتله، بل ولا قتاله حتى يزيلوا المظالم والمفاسد التي ارتكبت في ملك يزيد بن معاوية بعد موت معاوية -رضي الله عنه-، فلم يكن خروج الحسين على عَدْل حتى يستحق وصف البغي الذي يستحق صاحبه القتال، ثم هو حين حوصر عرض على مقاتليه أن يَدَعوه يذهب إلى الثغور، أو يعود إلى مكة، أو يرسلوه إلى يزيد، فأبوا عليه ذلك، إلا أن يستسلم لهم، وكان معه أهله وحريمه فأبى ذلك؛ لما يعلم من فسقهم وفسادهم، فقاتل حتى قتل شهيدًا مظلومًا -رضي الله عنه-، وقد نصحه من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- وغيره في عدم الخروج؛ لما يتوقعون من الفساد، فلم يرضَ الهوان -رضي الله عنه-؛ وذلك لعلو همته وإباء عزيمته؛ فكان ما كان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولا يوجد من أهل السنة عالم يصحح قتله أو يرضى به، وإنما يصوِّب ذلك مَن كان جاهلاً بمذهبهم أو متعصبًا للولاة أيًّا مَن كانوا، ويرسِّخ في الناس الموالاة المطلقة لهم على فسادهم وظلمهم، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله- عن يزيد بن معاوية: "وهل يحب يزيدَ أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد فعل بأهل المدينة ما فعل" -وكان أهل المدينة أيضًا قد خلعوا بيعته-؛ فلم يذمه على قتل الحسين -رضي الله عنه- "وهو أعظم"؛ لأنه لم يأمر به، وإنما أمر بمنعه من الخروج ولو بمقاتلته، فكان متأولاً ولذا امتنع تكفير مَن قتله بهذا التأويل، ومن كان منهم منافقًا في الباطن يَكره آل البيت لمنزلتهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو ثأرًا لمن قُتل من آبائه يوم بدر، فهو في الدرك الأسفل من النار، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

لكن نحن لا نطلع على البواطن، ولا نعامل الناس إلا بما ظهر منهم، والظاهر أنهم متأولون -وإن كانوا مجرمين مفسدين- عليهم مِن الله ما يستحقونه، ورضي الله عن الحسين، وسائر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة