جهاد النفس وجهاد الشيطان
محمود عبد الحميد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
لما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) رواه الترمذي وصححه الألباني ، كان جهاد النفس مقدماً على جهاد العدو في الخارج وأصلاً له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أُُمرت به وتترُكَ ما نُهيَت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج.
فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟ بل لا يمكنه الخروج إلي عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
وهناك عدو ثانٍ لا يمكنه جهاد نفسه وجهاد عدوه إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويُرجف به، ولا يزال يُخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ، وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما وهو الشيطان، قال - تعالى- : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6)، والأمر باتخاذه عدواً تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، وكأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العدو على عدد الأنفاس.
وجهاد النفس أربع مراتب:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لافلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عمله شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإن استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مُجمعون على أن العالم لا يستحق أن يُسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويُعلِّمَه، فمن علم وعمل وعلّم فذاك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات.
وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:
إحداهما: جهاده على ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
الثانية: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الإرادات الفاسدة والشهوات.
فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعده الصبر، قال - تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24)، فأخبر - سبحانه وتعالى- أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
ولا يتم هذا الجهاد إلا بهجرتين في كل وقت:
إحداهما: هجرة إلى الله -عز وجل- بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة.
ثانيهما: هجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره، وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين لاينوب فيه أحد عن أحد.
فالشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، ففي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي) متفق عليه .
وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله - تعالى- كان اعتراض الشيطان له أكثر، ففي مسند الإمام أحمد من حديث سبرة بن أبي فاكه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تـُسلم، وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهاد النفس والمال، فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
فالشيطان بالرصد للإنسان على طريق كل خير، فأمر - سبحانه وتعالى- العبد أن يُحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله - تعالى- منه أولاً، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه أولاً، ثم اندفع في سيره، فقال - تعالى- : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلَهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (سورة الناس)، وقال - تعالى-: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (المؤمنون: 97- 98)، وقال - تعالى- : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف: 200)، وقال - تعالى- : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: 98).
ولما دعت امرأة العزيز يوسف -عليه السلام- إلى الفاحشة قال: (مَعَاذَ اللَّهِ) (يوسف:23)، وقالت مريم - عليها السلام- لما جاءها الملك يبشرها بالمسيح - عليه السلام-: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) (مريم:18)، وقالت امرأة عمران: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) (آل عمران:36).
فالعبد ينبغي أن يأنف أن يكون تحت قهر عدوه؛ فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمة وهمة، وميلاً إلى هواه طمع فيه وصَرَعَه، وألجمه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد، ومتى أحس منه بقوة عزم وشرف نفس وعلو همة، لم يطمع فيه إلا اختلاساً وسرقة.
