شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جهاد النفس وجهاد الشيطان

محمود عبد الحميد • التزكية

فالهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق، وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور، وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين، حيث يولي بهواه ويعزل بهواه، وإن وقع في العبادة خرجت عن أن تكون طاعة وقربة، فما قارن الهوى شيئاًَ إلا أفسده.

وليعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، فإنه يطيف به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله، فلا يجد مدخلاً إلا من باب الهوى، كما قال - تعالى- : (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) (القصص:50).

وقد شبه الله - تعالى- أتباع الهوى بأخس الحيوانات صورة ومعنى، فشبههم بالكلب وبالحمر قال - تعالى- : (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) (الأعراف: 176)، وقال - تعالى- (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ . فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر:50-51)، وبيَّن الله - تعالى- أن كل من اتبع هواه فهو ظالم فقال - تعالى- : (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الروم:29)، وقد شبه الله - تعالى- متبع الهوى بعابد الوثن، وجعله في منزلته فقال - تعالى- : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان:43)، قال الحسن البصري: "هو المنافق لا يهوى شيئاً إلا ركبه" وقال أيضا: "المنافق عبد هواه لا يهوى شيئاً إلا فعله".

ومخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه. قال بعض السلف: "الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده" وفي الحديث الصحيح المرفوع: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه ، وكلما تمرن على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته والله -عز وجل- جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين، وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين، كما قال بعض السلف: "إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك، فإن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى".

والهوى داء ودواؤه مخالفته، قال بعض العارفين: "إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك، داؤك هواك ودواؤك ترك هواك ومخالفته".

وجهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه، قال رجل للحسن البصري - رحمه الله تعالى- "يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال جهادك هواك". قال ابن القيم: "وسمعت شيخنا - يعني ابن تيمية - يقول: "جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم".

واتباع الهوى يغلق على العبد أبواب التوفيق ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفقه لكان كذا وكذا، وقد سد على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه، قال الفضيل بن عياض: "من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق".

فليعلم أن أعدى عدو للمرء شيطانه وهواه، وأصدق صديق له عقله والمَلَكُ الناصح له، فإذا اتبع هواه أعطى بيده لعدوه، واستأثر له وأشمته به، وساء صديقه ووليَّه، وهذا بعينه هو جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.

وليعلم كذلك أن لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء بحسب ما اتبع من هواه؛ لأن اتباع الهوى مخالفة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: (بُعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصَّغار على من خالف أمري) رواه أحمد وصححه الألباني ، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول في الصباح والمساء: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكَه أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم) رواه أبو داود وصححه الألباني .

الصفحة السابقة