شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

نحو مراجعات أعمق أثراً

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فهل كان خيار الصدام الذي اتخذته بعض فصائل الصحوة الإسلامية -ثم تراجعت عنه مؤخراً بحمد الله- خياراً فقهياً محضاً، أم كان خياراً انفعالياً في المقام الأول ثم طُوِعت القراءة الفقهية للنصوص، والواقعية للأحداث لكي تُنظـِّر لما أوجبه هذا الانفعال؟

وإذا كان الاحتمال الأخير هو الأرجح، فهل كانت المراجعات مشتملة على معالجة هذا الجانب الانفعالي أم أنها لم تعالج إلا الجانب الفقهي فقط؟

وإذا كانت قد عالجت أو تخلصت من هذا الانفعال "الاستعجالي"، فهل سلمت من الوقوع في غيره من الانفعالات؟! هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال، ونسأل الله -تعالى- التوفيق والسداد.

بادئ ذي بدء نحب أن نؤكد على أن الإسلام منهج جاء ليحكم حياة أتباعه، وينظم جميع شئونهم، وهذا المنهج يبين للمسلم ما الذي ينبغي عليه فعله في حال السراء وفي حال الضراء، وفي حال الرضا وفي حال الغضب، وهذه قضية بديهية مسلمة، ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أيضاً أن الأفضل في حق عامة الناس، والواجب في حق خاصتهم أن يتعلموا حكم الله -عز وجل- في كافة النوازل حتى وإن لم تكن نزلت؛ لأن النازلة متى نزلت لم يكن ثمة وقت لطلب العلم والبحث في الأدلة، بل ربما اشتدت النازلة أحياناً حتى تجعل صاحبها يذهل عن أمور يعلمها جيداً.

وانظر إلى حالة الذهول التي أصابت الصحابة -رضي الله عنهم- عند وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قرأ عليهم الصديق -رضي الله عنه- قوله -تعالى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144)، فكأنها لم تنزل إلا في تلك الساعة.

ومن هنا جاء تشديد الشرع على أن يعزل الناظر في أمور الدين نفسه عن أي مؤثر يمكن أن يؤثر على قدرته على النظر السليم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) رواه البخاري، والناظر في هذا الحديث يجد أن فيه مراعاة كبيرة لأمر النظر في دين الله -تعالى-، فعلى الرغم من أن القاضي قد درس أمور الشرع وهو في حال هادئة واستقرت لديه الأحكام الشرعية، ولم يبق إلا تنزيلها على الواقع، فقد نهاه الشرع عن الحكم وهو في حال الغضب، هذا على الرغم من أن الغضب من أمور تخصه -يعني القاضي- لا يلزم أن ينتج عنه تحامل على أحد الخصمين، لكنه قد يؤثر على قدرته على قياس الأمور، فلذلك جاء هذا النهي.

ومن ثم أخذ أهل العلم من هذا الحديث من باب أولى أن لا يقضي القاضي بين اثنين وفي نفسه ميل -مع أو ضد أحدهما-، وكذا قاسوا على الغضب كل الأحوال التي تؤثر على قدرة القاضي على النظر السليم من شدة الجوع أو غيرها.

ولذلك كانت البصيرة في دين الله -عز وجل- لازمة لكل أحد لاسيما لمن يتصدر لبحث الأمور العامة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، ومن رحمة الله بالأمة أن جعل في سيرة الأنبياء عموماً وفي سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- خصوصاً، كل الأحوال التي يمكن أن تمر بها الأمة في مستقبلها فتراوحت دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ما بين الاستضعاف المطبق إلى التمكين التام إلى أحوال بينهما.

وواجهت دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- مشركين مجاهرين بالعداوة، وواجهت معاهَدين -منهم من وفى ومنهم من نقض العهد- وصارت للمسلمين دولة في حين بقي بعضهم مستضعفاً عند الكفار، ثم عمت دولتهم جزيرة العرب كلها في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورغم نصر الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- في عامة المواقع التي حضرها فقد قدر الهزيمة في "أحد" ليتعلم المسلمون أخلاق الهزيمة كما تعلموا أخلاق النصر، وواجه النبي -صلى الله عليه وسلم- كيد المنافقين في الداخل، ثم واجه الردة المعلنة في الخارج.

واستكمل الصحابة بعده، وهم أعلم الناس بدين الله -تعالى-، فابتلاهم الله بالمرتدين وابتلاهم بالخوارج المارقين، وقدر الله وقوع الخلاف بينهم، فبغى بعضهم بتأويل منهم على إمامهم ومنهم تعلمنا كيف تكون هذه المواجهات.

كل هذه الوقائع ومعها أحكامها من الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة -رضي الله عنهم- يتعرض لها من يدرس دين الله -عز وجل-، وكلما كان الإنسان بعيداً عن ميدان المواجهة، كلما كانت دراسته أتم، وكلما كان أبعد عن الوقوع تحت مؤثر نفسي، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فمن ابتلي بأن داهمه أمر لم يكن قد أعد له عدته، فعليه حينئذ بالإكثار من التضرع إلى الله أن يهديه إلى الحق، وأن يستعين على ذلك بمشورة كل ذي رأي، وما أفقه عمر -رضي الله عنه- الذي رغم أنه كان في زمن خلافته أفضل وأعلم أهل الأرض، إلا أنه كان إذا نزلت به مسألة جمع لها أهل بدر الذين كانوا أهل مشورته أصالة، ومع ذلك كان يستشير شباب الصحابة يلتمس حدة رأيهم، وربما أدخل بعضهم -ممن وجد فيهم حكمة ووقار الشيوخ- مع أهل الشورى كعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- والقصة في ذلك مشهورة.

ومما يـُستنبَط من هذه القصة أن حداثة السن عند تقارب سائر الأحوال مظنة الخطأ، للعجلة وقلة الخبرة، ويؤخذ منها أيضاً أنه ينبغي على أئمة كل جيل أن يقربوا منهم من يتوسمون فيه أنه ستؤول إليه الريادة يوماً ما، كما فعل عمر -رضي الله عنه- مع عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-.

ويتفرع عليه أن من آلت إليه الريادة رغماً عنه، مع حداثة سن وقلة خبرة في مكان ما فعليه أن يستعيض عن ذلك بالاستعانة بشيوخ ذهبت حدة شبابهم وعركتهم تجاربه، فإن وجدهم في غير مكانه فعليه أن يستشيرهم ولو أن يضرب إليهم أكباد الإبل.

الصفحة التالية