شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

نحو مراجعات أعمق أثراً

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومن التحدث بنعمة الله -عز وجل- على دعوتنا المباركة، أن نذكر أن الله -عز وجل- عصمها من الانزلاق فيما انزلق فيه غيرها رغم تشابه ظروف النشأة، برجوعهم إلى أهل العلم في زمانهم وإن تباعدت ديارهم، وما زال التاريخ يذكر ما نصح به أحد دعاتنا الأفاضل إخواننا في الجهاد والجماعة الإسلامية حينما كانوا ما زالوا في طور التكوين أن يرجعوا إلى أهل العلم كابن باز والألباني، ولكن وللأسف فبدلاً من الرجوع إليهم تم الرجوع عليهم من بعض منظري جماعة الجهاد بالطعن والسب، ومحاولة الإسقاط، وما زال هذا حال بعض أبناء الصحوة، وبعضهم رجع عن ذلك ،فجزاه الله خيراً، وبعضهم رجع عن كثير من آرائه التي من أجلها ضلل هؤلاء الأفاضل، ولكن فاته أن يعتذر للتاريخ عما قاله في حقهم، وأن ينشر محامدهم في الورى، لعل أن يكون ذلك شافعاً له في تجاوزهم عنه يوم القيامة في حقهم.

وكم كان أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- جبلاً في تراجعه عن عقيدة ظل يدافع عنها وينافح، أمام تلاميذ الإمام أحمد، فلما تبين له أن الصواب مع الإمام أحمد كتب عقيدته الجديدة في "الإبانة"، وذكر فيه مجمل عقائد المعتزلة وبيـَّن ضلالها، ثم بيـَّن عقيدته من حيث الإجمال أنها مأخوذة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وموافِقة لما كان يقوم به الإمام أحمد، ووصفه بأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، وأن الله أبان به الحق، وقمع به البدع، وأنه إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفخم، فرحم الله أبا الحسن من رجَّاعٍ إلى الحق عارفٍ بأقدار الرجال.

وهكذا فالواجب على من ابتلي أن يستعين بمشورة من هم أعلم وأكثر خبرة، فإن لم يجد ولم يكن بد، فلا بد من جـِدِ وجلدِ ومحاولة لعزل النفس قدر الإمكان عن المؤثرات، ودراسة نصوص القرآن والسنة دراسة مطلقة قبل تنزيلها على الواقع، ثم قراءة الواقع قراءة متأنية وفاحصة، ثم إنزال الأحكام المطلقة على الواقع بدقة.

وحذارِ من أن يلتبس المطلق بالنسبي، والحكم بالفتوى، مع الاستعانة في كل ذلك بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع السنن الكونية المختلفة، وبطريقة أهل العلم القدماء في التعامل مع الظروف المشابهة، على أن يعيد تحليل مواقفهم التي تصل إليه كفتوى بطريقة عكسية للطريقة التي وصفناها آنفاً.

والسؤال: هل تم ذلك في وسط الصحوة الإسلامية المعاصرة في مصر في القرن العشرين الميلادي على وجه التحديد، وهو القرن الذي شهدت أوائلُه سقوطَ الخلافة العثمانية؟

ولن تجد صعوبة في أن تكتشف أن الحركة الإسلامية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين بدأت عقلانية على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم تحولت إلى سلفية على يد محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب، ومن بعدهما محمد حامد الفقي، ولكنها سواء في طورها العقلاني أو في طورها السلفي اتسمت بالهدوء والتوأَدة، ومحاولة إعادة البناء، ومراعاة السنن الكونية في طريقة تجديد المجتمع المسلم الذي كان يعاني آنذاك من أعراض الجهل واليأس والإحباط، وفقدان القيادة العلمية والسياسية والمجتمعية.

ولم يكن خافياً على جيل العلامة محمد رشيد رضا والعلامة محب الدين الخطيب أهمية تضافر الجهود، وخروج الدعوة من شرنقة الداعي الأوحد إلى العمل الجماعي الشامل، ولكن فرضت عليهم الظروف طريقةَ عمل يغلب عليها الطابع الفردي أو الجماعي النخبوي على أقصى تقدير، من خلال بعض الجمعيات الخيرية كجمعية الشبان المسلمين وجمعية أنصار السنة المحمدية.

وقد رأى هذا الجيل في الأستاذ حسن البنا القيادة الجديدة الواعدة فضموه إليهم كما ضم عمر -رضي الله عنه- ابن عباس إليه، ولله درهم، ولكنَّ نقـْل الأستاذ البنا إلى الإسماعيلية وقف عائقاً من أن يستمر هذا التلاحق بين الأجيال، وانتقلت القيادة بالفعل إلى حسن البنا الذي أدار عجلة الدعوة بسرعة مذهلة، وأسس جمعية الإخوان المسلمين، وهو في الثانية والعشرين من عمره وقتل -رحمه الله تعالى، وبلغه منازل الشهداء- وهو في الثانية والأربعين من عمره، أي أن جماعة الإخوان قد أُسست بروح شبابية في كل صفات الشباب من قوة وفتوة وعجلة، ورغبة في جمع كل الخيارات في قبضة واحدة مهما بدا ذلك الأمر غير منطقي.

وشهدت حياة الأستاذ البنا -على قصرها- كل التجارب من التزام خيار الدعوة، إلى المُنَازَلة السياسية، إلى المنازلة العسكرية، إلى التحالف مع القوى الأخرى، وكان تحالف الإخوان والضباط الأحرار هو التحالف الذي قضى على سائر خصومه، ثم كان ما كان من الصدام الدامي بين الطرفين، والذي انتهى بإيداع كل من مر يوماً بجوار شعبةٍ من شعب الإخوان في سجون مغلقة بمفاتيح فقدت من السجَّان -كما يقولون في الأمثال-.

وفي أثناء وجود الإخوان في السجون عاد بعض الشباب إلى مكتبات مساجد أنصار السنة، فإذا فيها رسائل محب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا، ومعها بعض كتابات الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومعظمها كانت رسائل انتقائية من انتقاء محب الدين الخطيب، ومن نشر مكتبة السلفية، إذن فيمكن اعتبار أن مرحلة الأستاذ حسن -رحمه الله- قد استـُقطعت من تاريخ الصحوة، وعاد الشباب مرة ثانية إلى الفكر التربوي الهادئ البنَّاء لرشيد رضا ومحب الدين الخطيب، مع الاستفادة من تجربة توسيع القاعدة المشارِكة في الدعوة من الأستاذ حسن البنا، ولكن ماذا حدث؟

لقد تحركت رموز معينة معظمهم من تلاميذ الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-، والذي كان يمثل جناحاً مستقلاً داخل دعوة الإخوان، تحرك هؤلاء لكي يقنعوا الجيل الجديد بألا يستسلم وليحاول، فإذا كانت الثورة قد أسقطت المَلَكية والإنجليز، فلماذا لا يسقط الإسلاميون الثورة؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية