شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

نحو مراجعات أعمق أثراً

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

هكذا بدأت الفكرة بلا تنظير شرعي، ولم يكن للأستاذ رشيد رضا، ولا للأستاذ محب الدين الخطيب أي تنظير في هذا الاتجاه، وبطبيعة الحال لم يكن لجماعة الإخوان تنظير واضح في هذا الاتجاه ولا في غيره، حيث أنها كانت قد جربت عدة حلول لم يكن من بينها المواجهة الشاملة، وكانت أقصى درجة من درجات المواجهة عندهم هي دعم الضباط الأحرار في انقلابهم الذي بدأ في الجيش، ثم امتد إلى الحكم ككل، أي أن جيل "الجهاديين" الجُدُد لم يكن مسبوقا بأي تنظير في هذا الاتجاه، اللهم إلا الاغترار بالمد الثوري الذي حقق نجاحات في مواطن عدة منها مصر، وتحكمت الانفعالات وطغت جرأة الشباب، وتراءت أمام العيون أحلام الأمس، حينما وصل الضباط الأحرار إلى السلطة نيابة عن الحركة الإسلامية، وفي هذا الجو المشحون خرج النداء الذي أشرنا إليه آنفاً: "عودوا إلى أهل العلم فهم موجودون بحمد الله"، ولكن قدر الله وما شاء فعل، أعدت كتيبات صغيرة، ثم أصبحت كتباً كبيرة، ثم كتباً جامعة، وكلها تدافع عن موقف انفعالي اتخذه مجموعة من الشباب المتحمس.

بينما انصرف فريق آخر من الشباب ضبط حماسته بكلام علماء زمانه إلى العلماء الربانيين السابقين الذين عايشوا ظروفاً كهذه، لاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية، وحاولوا أن يستفيدوا الأحكامَ المطلقةَ من كلامه وكلام من سبقه المستفادةَ من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ثم يتعلمون كيف طبـَّق هؤلاء العلماء الحكم على واقعهم، بينما سار الآخرون في طريقهم وبعد فترة طويلة من الزمن عاد منهم من عاد وبقي منهم من بقي، نسأل الله أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل.

وخرجت مراجعات فقهية تحاول في جملتها أن تبين الأحكام المطلقة، وأن تبين أن كثيراً من أحداث الماضي كانت تنزيلاً لأحكام على غير واقعها، ولعل بعضها كان بسبب لبس في فهم الحكم أصلاً.

ولكن السؤال: هل تم التنبيه على الآفة الأصلية؟ وهي بحث المسائل الشرعية تحت تأثير انفعال معين؟ البعض عالج هذا، والبعض ما زال في مراجعاته, رغم أن مبدأ المراجعة يفرض على صاحبه لغةً هادئة ونظرةً متعمقة، إلا أن البعض يظل مصراً على نبرة انفعالية في جلد الذات، ومحاكمة الآخرين وتتبع النوايا والتخوين والتضليل مما قد يضعف أثر أي دليل يورده، أو حجة يدلي بها مهما كانت واضحة وقوية، وفي المقابل هناك من وقع تحت تأثير التجربة ومرارتها وقسوتها أكثر من التركيز على خطئها وصوابها، مما قد يؤثر على الباحث ذاته في طريقة معالجته للقضايا، ومما يلقي بظلال من الشك في نفوس بعض المتربصين بالدعوة، وحتى في نفوس الأجيال الجديدة من الشباب المتحمس الذي بطبيعته في كل الميادين يرفض أن يكون أسير تجربة الجيل الذي سبقه، ولو كانت تجربة أبيه نفسه، لاسيما والإعلام يقدم لهم وجبات إعلامية مبهرة تحت عنوان "لن أعيش في جلباب أبي"، وبعض شباب المنتديات الإسلامية يرفعون راية "لن أعيش في جلباب المتراجعين".

ومع التسليم بأنه من المستحيل كبح جماح كل متحمس إلا أن التأصيل الشرعي، والتخلص قدر الإمكان من أسر التجربة يعطي فرصة أكبر لإقناع أكبر عدد ممكن من هؤلاء الشباب الذين لو تركوا لكرروا نفس التجربة الأليمة.

إننا نأمل أن نرى مراجعات تخلو من عبارات التخوين والتشكيك، ومن سرد خلافات شخصية بين أصحاب الاتجاه الواحد، أو الاتجاهات المتعددة. كما نود أن نرى مراجعات خالية من الكلام على الأمهات الثكالى والزوجات الحزانى، والأطفال الذين فاقوا في بؤسهم بؤس اليتامى.

نريد مراجعات بلغة فقهية راسخة، وبعبارات لا توحي بأن صاحبها واقع تحت تأثير تجربة بعينها، وهذا وإن كان هاماً بالنسبة لهذا الجيل، فهو أكثر أهمية للأجيال القادمة، بل إننا نتمنى أن نرى كتابات متكاملة في فقه الجهاد تقرر الأحكام المطلقة بروح واثقة، وبلغة خطاب موجهة لكل متعلم مسلم في كل مكان وزمان، ثم يكون معها بيان بعض نماذج من التطبيق الموافق للكتاب والسنة، ونماذج من التطبيق المنحرف، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك في غيرها من القضايا.

ولتعلم أخي الكريم أن كل العاملين في الساحة الإسلامية، بل والمكلَّفين عموماً مأمورون باجتناب الهوى، فالهوى لا يسلم منه أحد وكلنا مطالب بأن نجعل أهوائنا محكومة بالشرع لا حاكمة عليه، والناس -ومنهم الدعاة إلى الله- منهم من فُطِر على الإقدام، ومنهم من فُطِر على الإحجام وكلاً منهما مدعو إلى أن يضبط هواه بالشرع، وفي كلٍ صعوبة، كما ذكر الأستاذ محمد قطب أن المرحلة التي أمر فيها الصحابة -رضي لله عنهم- بالكف والصفح والإعراض كانت أشد على نفوسهم -وهم العرب الأباة- من المرحلة التي أمروا فيها بالجهاد وبذل النفوس في سبيل الله، والفتوة أن ندور مع إسلامنا حيث دار.

نسأل الله -تعالى- أن يهدينا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه.

الصفحة السابقة