شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (42) آيات من القرآن في ذم القسوة (20)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:22-23) .

الفائدة الرابعة:

لما ذكر الله حال المؤمنين مِن انشراح الصدر وحصول النور مِن الله، وذمَّ أهل الضلال قساة القلوب الذين لا تلين قلوبهم لذكره، بل ربما زادهم الذكر والآيات قسوة وطغيانًا وكفرًا ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (المائدة:68) ؛ ذكر -سبحانه- في الآية بعدها أسباب تحصيل انشراح الصدر وحصول النور، وزوال القسوة والضلال حتى يحصل اللين والهدى، فقال: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ).

فذكر أن علاج القسوة في الوحي المُنزل الذي هو أحسن الحديث وخير الكلام كلام الله، وهو شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، وهو فضل الله ورحمته: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) ، وهو كتاب مؤتلف متوافق غير مختلف يشبه بعضه بعضًا ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .

وأرشد -سبحانه- إلى أن تكرار ذكر المواعظ والأوامر والقَصص والتذكير فيه سببٌ للتأثير في القلوب فقال: ( مَثَانِيَ )، وقد قدمنا تفسير المثاني، والأقرب فيه: أنه بمعنى التكرار في الآيات، فما يذكر في هذه السورة يذكر مثله في سورة أخرى، وإن كان لكل موضع فائدته وإشارته.

وهناك معنى آخر ذكره العلماء لمعنى "المثاني" والتكرار في قوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (الحجر:87) ، والثابت في الحديث الصحيح في تفسيرها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها فاتحة الكتاب كما روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى قال: مَرَّ بيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأَنا أُصَلِّي، فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حتّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أتَيْتُ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي؟ فَقُلتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ( ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) (الأنفال:24) ، ثُمَّ قالَ: ( ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ) فَذَهَبَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِيَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ، فَقالَ: ( الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أُوتِيتُهُ ).

وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم... قال قتادة في الآية: ذُكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يُثَنَّين في كل قراءة -أي: يكررن-. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع".

وقال أيضًا: "وهذا قول إبراهيم النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب، والحسن البصري، ومجاهد، واختاره ابن جرير.

والمقصود من ذلك: مشروعية تكرار الآيات والسورة وتثنية قراءتها؛ وذلك لشدة حاجة القلب لما فيها من المعاني؛ فتكرار قراءتها أعظم تأثيرًا في إصلاح القلب وتليينه وذهاب قسوته وظلمته، وهذا مشروع في الفاتحة اتفاقًا في كل ركعة، والصحيح، بل الصواب أنه واجب في كل ركعة فرضًا أو نفلًا، لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تصح أي ركعة من ركعات الصلاة إلا بقراءتها؛ إمامًا كان الإنسان أو مأمومًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما وجد الصحابة يقرأون خلفه: ( لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خلفَ إِمامِكُمْ؟ ) قُلْنا: نَعَمْ، قال: ( فلا تَفْعَلوا إِلّا بفاتحةِ الكتابِ، فإنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بِهَا ) (رواه أبو داود) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ ) (رواه مسلم، وأبو داود واللفظ له) .

وأما تكرار آيات غيرها أثناء القراءة في الصلاة وفي غير الصلاة أيضًا حتى تستقر معانيها في القلب، ويتدبرها ويستخرج كنوزها بما يفتح الله على القلب من ذلك؛ فهذا أمر ثابت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (المائدة:118) ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ، تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا قَالَ: ( إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ).

الصفحة التالية