مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (42) آيات من القرآن في ذم القسوة (20)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ورَوى أحمد أيضًا من طريق أخرى عن جسرة بنت دجاجة: أنها انطلقت معتمرة فانتهت إلى الرَّبَذة، فسمعت أبا ذر يقول: قَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَصَلَّى بِالْقَوْمِ، ثُمَّ تَخَلَّفَ أَصْحَابٌ لَهُ يُصَلُّونَ، فَلَمَّا رَأَى قِيَامَهُمْ وَتَخَلُّفَهُمْ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمَ قَدْ أَخْلَوْا الْمَكَانَ، رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَصَلَّى، فَجِئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ بِيَمِينِهِ فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَامَ خَلْفِي وَخَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِشِمَالِهِ، فَقَامَ عَنْ شِمَالِهِ، فَقُمْنَا ثَلَاثَتُنَا يُصَلِّي كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا بِنَفْسِهِ، وَيَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْلُوَ، فَقَامَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا حَتَّى صَلَّى الْغَدَاةَ، فَبَعْدَ أَنْ أَصْبَحْنَا أَوْمَأْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنْ سَلْهُ مَا أَرَادَ إِلَى مَا صَنَعَ الْبَارِحَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِهِ: لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قُمْتَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَعَكَ الْقُرْآنُ؟ لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُنَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ قَالَ: ( دَعَوْتُ لِأُمَّتِي ) قَالَ: فَمَاذَا أُجِبْتَ، أَوْ مَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: ( أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ طَلْعَةً تَرَكُوا الصَّلَاةَ ) قَالَ: أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ( بَلَى ). فَانْطَلَقْتُ مُعْنِقًا قَرِيبًا مِنْ قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ تَبْعَثْ إِلَى النَّاسِ بِهَذَا نَكَلُوا عَنِ الْعِبَادَةِ. فَنَادَاهُ: أَنِ ارْجَعْ، فَرَجَعَ. وَتِلْكَ الْآيَةُ: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (المائدة:118) .
وقد فعل مثل هذا بعض الصحابة، فالصحابي الذي كان يقرأ: "قل هو الله أحد" في كل ركعة بعد السورة التي يقرأ بها، وفي رواية "قبلها" -والحديث في الصحيح-، وسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ ) (متفق عليه) . وفي رواية: ( إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وهذا يبيِّن لنا سببًا عظيمًا مِن أسباب تأثر القلب بالقرآن، وهو: التكرار لمعناه في سورٍ عديدةٍ، وتكرار التلاوة للآية الواحدة والسورة الواحدة في الصلاة وفي غيرها؛ حتى يحصل الأثر الذي ذكره الله في هذه الآية الكريمة، وقد ذَكر هنا أثرين: أثر في البدن، وأثر في القلب؛ فأما أثر البدن فاقشعرار الجلد، ثم لينه بعد ذلك، وأما أثر القلب هو الخشية، ثم اللين وزوال القسوة بذكر الله -تعالى-، وذلك بأن يلين القلب فيتشكل في أقواله وعقائده، وأعماله وأحواله وفق الوحي المنزل؛ بخلاف القلب القاسي الذي لا يتغير ولا يتأثر، ويظل على حاله السابقة لا يتهذب بالقرآن.
أما المؤمن الذي يخشى الله فيلين قلبه لذكره، ويُصْبَغ بصبغة الله لقلبه وبدنه؛ حتى يوافق الوحي المنزل صبغة الله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) (البقرة:138) .
وقد ذكر -سبحانه- القرآن في سورة المائدة أثرين أيضًا: أثر في البدن، وأثر في القلب، فقال -تعالى-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (المائدة:82-83) .
ولنا في هذا استكمال -إن شاء الله-.