دروس من قصة المفاخِر بآبائه
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- التربية بالقصص؛ لما فيه مِن العِبَر والدروس: قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف:111) .
- مِن هذا القصص التربوي ما فيه الترهيب من الأخلاق الذميمة، والتي منها المفاخرة بالآباء الفاسدين والكافرين: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب قال: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: أَنَّ هَذَيْنِ الْمُنْتَسِبَيْنِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ ) (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني) .
- شرح مجمل للقصة، ثم الإشارة إلى الدروس المستفادة كعناوين.
(1) الناس سواسية من حيث الأصل:
- لا اختصاص لواحدٍ مِن البشر بفضيلة، باعتبار الأصل الذي خلق منه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- هذا الاختلاف بين البشر في الأشكال والألوان، آية من آيات الله؛ ليتمايز الناس وليتعارفوا، وليتعاونوا على الخير، وإكمال رسالة أبيهم آدم: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13) .
- ولكن أكثر الناس يجهلون هذه الحقيقة أو ينسونها؛ ولذلك تكثر الخصومات والعداوات والحروب المدمرة بين البشر (1) : فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا في غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: يا لَلْأَنْصَارِ، وقالَ المُهَاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذلكَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقالَ: ( ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ )، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ: ( دَعُوهَا، فإنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) (متفق عليه) .
- أعداء الإسلام في كل زمان يحيون هذه النعرة -الفخر بالآباء ولمز الآخرين- في قلوب المؤمنين لتفريقهم: قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) (آل عمران:103) ، قال: "وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا مِن اليهود، مر بملأ مِن الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه مِن الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاهم فجعل يسكنهم، ويقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح -رضى الله عنهم-" (تفسير ابن كثير) .
- ولذلك اشتد النبي -صلى الله عليه وسلم- في محاربة هذا المرض الخبيث ليقيه أمته: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لينتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بِآبائِهِمُ الذينَ ماتُوا، إِنَّما هُمْ فَحْمُ جهنمَ، أوْ ليكونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ، الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأنْفِهِ، إِنَّ اللهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهليةِ، وفَخْرَها بِالآباءِ، إِنَّما هو مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ كلُّهُمْ بَنُو آدمَ، وآدَمُ خُلِقَ من تُرَابٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) . وقال: ( لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَّا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .
(2) الناس يتفاضلون عند الله بالدين والصلاح: