شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس من قصة المفاخِر بآبائه

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- لا يتفاضل الناس عند الله بآبائهم وأجدادهم، ولا بأشكالهم وقبائلهم، وإنما بالتقى والصلاح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى ) (سبق تخريجه) ، وقال -تعالى-: ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء:88-89) .

- يكرم الإنسان بكرم آبائه وأجداده الأتقياء، إن هو أحبهم وسار على نهجهم وطريقتهم، وعند ذلك حُق له أن يتعزز بانتسابه إليهم: قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف -عليه السلام-: ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) (يوسف:38) .

وفي القصة مِن قول الرجل الصالح: ( أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ )، ويروَى أن مثل هذا وقع لسلمان الفارسي -رضي الله عنه-، فقد ذكر جمع من الرجال، كان فيهم سلمان آباءهم، فلما جاء دور سلمان، قال: "أنا ابن الإسلام"، فلما بلغ عمر -رضي الله عنه- الخبر بكى، وقال: "وأنا ابن الإسلام"، ولما قيل عن صفية -رضي الله عنها-: إنها ابنة يهودي، قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّك ابْنة نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

ولما قال رستم قائد الفرس لربعي بن عامر: من أنتم؟ قال: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؛ ولم يفتخر بآباء ولا أجداد!

- أما المفاخر بالأباء والأجداد الكفرة والفسقة الذين عاثوا في الأرض فساًدً، فطريقته غالبًا ستكون طريقتهم، ومصيره غالبًا يكون مِن مصيرهم: ففي القصة: ( أمَّا أنتَ أيها المنتمي أو المنتَسِبُ إلى تسعةٍ في النَّارِ، فأنتَ عاشرُهم )، وفي قصة وفاة أبي طالب: ( حتَّى قالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ،وأَبَى أنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) (متفق عليه) .

(3) أثر التربية النبوية بالقصة على الصدر الأول -رضي الله عنهم-:

- لقد كانت القصة من أعظم الوسائل النبوية في التربية، ومعالجة الأمراض النفسية والقلبية التي تعرض، لانتزاع كبر الجاهلية من القلوب، وإبداله بالتواضع وكريم الأخلاق، ففي القصة لقن النبي -صلى الله عليه وسلم- المفاخر درسًا يردعه وأمثاله عن هذا الباطل بالمثال في الأمم السابقة: ( أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ ).

- ولقد كان أول مَن يطبق ما يقول تطبيقًا عمليًّا، ليكون لهم قدوة: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: أتى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فَكَلَّمَهُ، فجَعلَ ترعدُ فرائصُهُ، فقالَ لَهُ: ( هوِّن عليكَ، فإنِّي لستُ بملِكٍ، إنَّما أَنا ابنُ امرأةٍ تأكُلُ القَديدَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وكان يقول: ( آكُلُ كَمَا يَأكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ ) (رواه ابن حبان والبيهقي، وصححه الألباني) .

- الصدر الأول خير مَن تعلم واقتدى به -صلى الله عليه وسلم-: فعن عروة بن الزبير-رضى الله عنه- قال: "رأيت عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها" (ذكره القشيري في الرسالة القشيرية) ، وذكر ابن سعد في الطبقات عن رجاء بن حيوة، قال: "سَمَرْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَعَشِيَ السِّرَاجُ فَقُلْتُ: أَلَا أُنَبِّهُ هَذَا الْغُلَامَ يُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، دَعْهُ يَنَامُ. فَقُلْتُ: أَفَلَا أَقُومُ أُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُ ضَيْفِهِ. ثُمَّ قَامَ بِنَفْسِهِ فَأَصْلَحَهُ وَصَبَّ فِيهِ زَيْتًا، ثُمَّ جَاءَ وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجِئْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ" (البداية والنهاية) .

(4) خاتمة: أمور تعين على التواضع واجتناب الكبر:

1- شهود ضعف النفس وعيوبها: قال -تعالى-: ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) (الطارق:5-7) ، وقال الأحنف بن قيس: "عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين" (إحياء علوم الدين للغزالي) .

2- تذكر عاقبة الكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ، تعلوهُم نارُ الأَنْيار، ِ يَسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

3- ترك نفيس الطعام والشراب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَرَكَ اللِّباس تَواضُعًا للَّه، وَهُوَ يَقْدِرُ علَيْهِ، دعاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخيِّره منْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمان شَاءَ يلبَسُها ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

4- مجالسة المساكين والفقراء الصالحين وزيارتهم، لا سيما لمن كان كثير المجالسة للكبراء والوجهاء: قال -تعالى- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) (الكهف:28) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية