الفساد (69) سلبيات ممارسة كرة القدم وتشجيع فرقها (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فممارسة الرياضة في الإسلام -أي: كما ينبغي أن تكون- ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق التربية البدنية التي هي أحد مقومات الشخصية باكتساب الفرد للياقة البدنية، والقوة والصحة والعافية التي هي أساس من أسس المؤمن القوي الذي هو أحب إلى الله -تعالى- وأفضل من المؤمن الضعيف.
والترويح حالة طارئة يحتاج إليها المرء مِن وقتٍ لآخر لتجديد نشاطه، ودفع السأم والملل عن نفسه ليعاود مواصلة العمل والإنجاز، ووقت الترويح أو الفراغ هذا ليس للفرد فيه مطلق التصرف، بل له ضوابط يجمع فيها الفرد بين الترفيه وبين النفع والاستفادة من وقت الفراغ -أو التوقف عن العمل الجاد- كما أنه يحظر عليه في وقت الترويح فعل ما هو حرام أو يخالف الشرع، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ؛ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
يذكر ابن القيم في كتابه: (الفروسية) أن المغالبات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم محبوب مرضٍ لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، معين على تحصيل محابه: كالسباق بالخيل والإبل، والرمي بالنشاب، وقسم مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة: كالنرد وما أشبهه، وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له، بل هو مباح؛ لعدم المضرة الراجحة: كالسباق على الأقدام، والسباحة، والصراع ونحو ذلك) (راجع: "الفروسية" لابن القيم، ص 301) .
أما المسابقات في هذه الألعاب فلا تخلو من ثلاثة أحوال:
الأولى: أن تكون معينة على الجهاد والقتال: كالرمي، وركوب الخيل، فهي مسابقات محبوبة لله -تعالى-، ويجوز التسابق فيها، ويجوز أخذ المال في مسابقاتها.
الثانية: أن تقوم على المصادفة والحظ لا المقدرة: كلعب النرد والطاولة؛ فهي ممنوعة، وكذلك ما فيه ضرر مؤكد أو صاد عن الواجبات الشرعية؛ فهي أيضًا ممنوعة.
الثالثة: ما لا يعين على الجهاد ولا القتال، ولا يقوم على المصادفة والحظ، ولكن فيه تقوية للبدن وإعانة، فيجوز التسابق فيه، لكن يحرم أخذ المال عليه (يراجع في ذلك: كتاب "المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية: دراسة فقهية أصولية" تأليف: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري - ط. دار الحبيب الرياض - ط. الثانية 1420هـ - 2000 م، ص 233) .
جواز إقامة المسابقات الكروية:
تجوز ممارسة كرة القدم ودخول مسابقاتها بنية الترويح وتقوية البدن شريطة ألا يصحبها أو تؤدي إلى فعل محرم. وقد أشرنا من قبل إلى صورٍ كثيرةٍ مِن المحرمات الشرعية تقع من ممارسي -بل ومن مشجعي- لعبة كرة القدم من المحرمات العقدية، والفعلية والقولية، والتي معها يتحول هذا اللعب من مباح إلى محرم، بل من كبائر الذنوب.
أما أخذ المال على لعب كرة القدم بالمشاركة في مسابقاتها أو الفوز فيها؛ فهو محرم، ولا يجوز شرعًا، وهذا الحكم الشرعي يعلمه -ولا يشك فيه- مَن درس الفقه وتعلم الشرع؛ فـ(لعب الكرة من باب التريض وبدون استهلاك لأغلب الوقت وبدون جوائز مالية جائز، أما إذا كانت فيها مسابقة وجوائز فتحرم أيًّا كان مصدر هذه الجوائز، وأما التكسب من اللهو واتخاذه مهنة فحرام بيِّن، والمسابقة عليه لا تجوز ولو كانت الجوائز من المتسابقين، ويزداد الأمر خطورة إذا كانت من المال العام).
(فإذا ما اعتبرنا التربية الرياضية ضرورية لما تحققه من أهداف ومنافع، فإن الضرورة يجب أن تقدر بقدرها، فينبغي أن تقصر هذه المرتبات والأجور والاعتمادات المالية على أقل قدرٍ يمكن به تحقيق هذه الأهداف وتلك المنافع.
أما اللاعبون: فلا يجوز أن يتخذوا لعب كرة القدم مهنة للتعايش منها، والحصول على الآلاف المؤلفة من الجنيهات، فينبغي أن يكون لكل لاعب عمله الجائز شرعًا مصدرًا لعيشه، ثم ليكن هذا اللعب في أوقات فراغه رياضة وترويحًا، لا أساسًا وهدفًا ومعيشة) (راجع في ذلك: "بغية المشتاق في حكم اللهو واللعب والسباق" تأليف: حمدي عبد المنعم شلبي - مكتبة ابن سينا القاهرة - 1410هـ - 1990 م، ص 101)، (أنه لا قائل من أهل العلم المعتبرين قديمًا وحديثًا بدخول الكرة في المسابقات التي يجوز أن تكون بجوائز، ومن هنا يعلم أن مسابقات الدوري والكأس وغيرها، من المحرمات التي لا يجوز المشاركة فيها والتفاعل معها) (المصدر السابق) .
حكم أخذ المال في المسابقات الكروية:
نوجز هنا كلام الفقهاء في حكم اتخاذ كرة القدم مهنة للتكسب منها والانتفاع بجوائزها، والعمدة في ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
ولكلمة (السبق) في الحديث روايتان لكل رواية أحكامها:
1- ففي الرواية الأولى: كلمة (السبق) بسكون الفاء: تعني المسابقة والتسابق، وهو مشروع في الجملة، دل عليه الكتاب والسُّنة والإجماع، قال -تعالى- عن إخوة يوسف: ( إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا ) (يوسف:17).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (نستبق إما على الأقدام أو الرمي والنضال) (تفسير السعدي) .
وشرع مَن قبلنا شرع لنا ما لم يأتِ ما يخالفه، وقال -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (الأنفال:60) ، ومن وسائل إعداد القوة: التدرب عليها، ومن رباط الخيل: المسابقة والتسابق فيها، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع، وقد حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على سباق الخيل، ففي الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضر فأرسلها من الثنية إلى مسجد بني زريق.