شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قصة من سقى كلبًا عطشًا فغفر الله له (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- قصة قصيرة تحمل دروسًا كثيرة، وأبرزها فضل خُلُق الرحمة، وأثره في الدنيا والآخرة: روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضى الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بَيْنا رَجُلٌ يَمْشِي، فاشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَنَزَلَ بئْرًا، فَشَرِبَ مِنْها، ثُمَّ خَرَجَ فإذا هو بكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فقالَ: لقَدْ بَلَغَ هذا مِثْلُ الذي بَلَغَ بي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ له، فَغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْرًا؟ قالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ ) (رواه البخاري) .

- وروى أيضًا عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ ) (متفق عليه) .

- شرح مجمل للحديث مع الإشارة لطريقة الرجل في جلب الماء، وكذلك المرأة، التي يستنكف كثير مِن الناس من فعلها مع بني جنسهم، ولكن قوة الرحمة التي حلت في قلبهما هي التي دفعتهما إلى فعل ذلك، فكان الجزاء الأعظم من الشكور الرحيم سبحانه (1) .

- حاجتنا إلى التراحم، وإحياء معاني التراحم وخلق الرحمة في مجتمعاتنا الإسلامية التي ينبغي أن يكون ذلك فيها أصلًا(2): قال -تعالى-: ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (الفتح:29) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كمَثَلُ الْجَسَدِ الواحد؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

(1) الرحمة من صفات الله:

- إعلام الخلق بعظيم رحمته من أول لحظات وجودهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (الأعراف:156) .

- هو سبحانه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا: عن عمر -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ) قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: _ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (متفق عليه) .

(2) الرحمة من صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

- لأنه -صلى الله عليه وسلم- جاء لخيرهم، فهو رمز الرحمة في الخلق: قال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ) (رواه الحاكم في المستدرك في صحيحه بسندٍ صحيحٍ) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ) (رواه البخاري) ، وقال ابن عباس: "كان محمد -صلى الله عليه وسلم- رحمة لجميع الناس، فمَن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق" (تفسير القرطبي) .

- كان -صلى الله عليه وسلم- يتفطر قلبه على الكافرين، لا سيما القرابة، فما بالنا برحمته بالمؤمنين: قال -تعالى-: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة:128) ، وقال -تعالى- له: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى? آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6) .

(3) صور من رحمته -صلى الله عليه وسلم-:

أولًا: رحمته بمن كذبوه وآذوه وحاربوا دعوته وقتلوا أتباعه:

- ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: "أنه -صلى الله عليه وسلم- لما توجه إلى مكة فاتحًا، لقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية، بنيق العقاب -فيما بين مكة والمدينة- والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمى فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. قال: فلما خرج الخبر بذلك، وكان مع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذن لي، أو لأخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض، ثم نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما".

- ولما كان يوم فتح مكة، وكانت جيوشه -صلى الله عليه وسلم- تحاصر مكة والمشركين من كل جهة قال بعض الناس: اليوم يوم الملحمة، فقال -صلى الله عليه وسلم- منكرًا: "لا، بل اليوم يوم المرحمة"، ولما تمكن من أهل مكة وقد وقع من وقع منهم في الآسر، قال: ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ" (انظر فتح مكة في كتب السيرة) .

ثانيًا: رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالمؤمنين:

- هذه تحتاج إلى أسفار للكلام عنها، فكفاه شهادة ربه له: ( حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة:128) .

الصفحة التالية