شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (46) آيات من القرآن في ذم القسوة (24)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الحديد:16-17) .

الفائدة الثالثة: حكم الصلاة بغير خشوع:

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "فإن قيل: ما تقولون في صلاة مَن عَدِم الخشوع هل يُعْتَدُّ بها أم لا؟

قيل: أما الاعتداد بها في الثواب؛ فلا يُعْتَدُّ له فيها إلا بما عَقِل فيه منها، وخَشَع فيه لربه.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلتَ منها. وفي المسند مرفوعًا: ( إنَّ العَبْدَ لَيُصَلي الصَّلاةَ، وَلَمْ يُكْتبْ له إلا نِصْفُها، أو ثُلُثُها، أو رُبْعُها حتَّى بَلَغَ عُشْرَهَا ) (رواه أحمد وأبو داود بنحوه، وحسنه الألباني) .

وقد عَلَّق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم؛ فدلَّ على أن مَن لم يخشع فليس مِن أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثوابًا؛ لكان من المفلحين.

وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء: فإن غَلَب عليها الخشوع وتعقلها اُعْتُدَّ بها إجماعًا، وكانت السنن، والأذكار عَقِيبَها جَوابِرَ ومُكَمِّلات لنقصها.

وإن غَلَب عليه عدم الخشوع فيها، وعدم تَعَقُّلِها؛ فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد، وأبو حامد الغزالي في "إحيائه"، لا في "وسيطه" و"بسيطه".

واحتجوا بأنها صلاة لا يُثَاب عليها، ولم يُضمَن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي.

قالوا: ولأن الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها؛ فكيف يعتد بصلاة فقدت رُوحَها ولُبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟!

قالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه. وغايته: أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المُعْتَق في الكفارة؛ فكيف إذا عَدِمت رُوحَها، ولُبَّها ومقصودها؟! وصارت بمنزلة العبد الميت. إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقربًا إلى الله -تعالى- في كفارة واجبة، فكيف يعتد بالعبد الميت؟!

وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تُهدَى إلى مَلِك مِن الملوك، فما الظن بمَن يُهدى إليه جارية شلاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد والرجل، أو مريضة، أو دميمة، أو قبيحة، حتى يُهدَى إليه جارية ميتة بلا روح، وجارية قبيحة؟! فكيف بالصلاة التي يُهديها العبد ويَتقَرَّب بها إلى ربه؟! والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وليس مِن العمل الطيب صلاة لا روح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه.

قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لمَلِك الأعضاء عن عبوديته، وعزل له عنها، فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها، وقد عُزل ملكها وتعطل؟!

قالوا: والأعضاء تابعة للقلب، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، فإذا لم يكن قائمًا بعبوديته، فالأعضاء أولى أن لا يُعتد بعبوديتها، وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس؛ فأنَّى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه، وعن أمره يصدرون، وبه يأتمرون؟!

قالوا: وفي الترمذي وغيره، مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ اللهَ لا يَسْتَجيبُ الدُّعاءَ مِن قَلْبٍ غَافِلٍ ) (حسنه الألباني) ، وهذا إما خاص بدعاء العبادة، وإما عام له ولدعاء المسألة، وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد؛ فهو تنبيه على أنه لا يَقْبَل دعاء العبادة -الذي هو خاص حقه- من قلب غافل.

قالوا: ولأن عبودية مَن غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص، فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد، والغافل لا قصد له؛ فلا عبودية له.

قالوا: وقد قال الله -تعالى-: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) (الماعون:4-5)، وليس السهو عنها تركها؛ وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها؛ إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب: أنه يعم النوعين؛ فإنه -سبحانه- أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء.

قالوا: ولو قدَّرنا أنه السهو عن واجب فقط، فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص، والحضور بطريق الأولى؛ لوجوه:

أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر، وينتقل إلى بدله، والإخلاص والحضور لا يسقط بحال، ولا بدل له.

الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور، فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور: كالمسافر، والمريض، وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع، كما نصَّ عليه أحمد وغيره.

فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور، وجمعية القلب على الله في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها؛ فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة، أو اعتدال في ركن، أو ترك حرف، أو شَدَّة من القرآن، أو ترك تسبيحة أو قول: سمع الله لمن حمده، أو قول: ربنا ولك الحمد، أو ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالصلاة عليه، ثم يصححها مع فَوْتِ لُبِّهَا، ومقصُودِها الأعظم، ورُوحِها وسِرِّها.

فهذا ما احتجَّت به هذه الطائفة، وهي حجج كما تراها قوة وظهورًا.

الصفحة التالية