مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (46) آيات من القرآن في ذم القسوة (24)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
قال أصحاب القول الآخر: قد ثَبَتَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح أنه قال: ( إذا أذَّنَ المؤَذِّنُ أدْبَرَ الشَّيْطانُ له ضُراطٌ، حتّى لا يَسْمع التَّأْذِينَ، فإذا قُضِيَ التَّأْذِينُ أقْبَلَ حتّى إذا ثُوِّبَ بالصَّلاةِ أدْبَرَ حتّى إذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أقْبَلَ حتّى يَخْطُرَ بيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ يقولُ له: اذْكُرْ كَذا واذْكُرْ كَذا، لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِن قَبْلُ حتّى يَظَلَّ الرَّجُلُ ما يَدْرِي كَمْ صَلّى، فَإِذا وجَدَ ذلكَ أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ ) (متفق عليه) .
قالوا: فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدرِ كَمْ صلَّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو؛ ترغيمًا للشيطان في وسوسته للعبد، وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة؛ ولهذا سمَّاهما النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُرْغِمَتَيْنِ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وأمر مَن سها بهما ولم يُفصِّل في سهوه الذي صَدَر عنه مُوجِب السجود بين القليل والكثير، والغالب والمغلوب، وقال: ( لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، ولم يستثنِ من ذلك السهو الغالب، مع أنه الغالب.
قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة؛ فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب، فللـه -تعالى- حكمان: حُكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَقْبل علانية المنافقين، ويكل أسرارهم إلى الله فيناكحون، ويَرثون ويورَّثون، ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة؛ إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر؛ بل إلى الله، والله يتولاه في الدار الآخرة.
نعم لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلًا ولا آجلًا؛ فإن للصلاة مزيد ثواب عاجلٍ في القلب من قوة إيمانه، واستنارته، وانشراحه وانفساحه، ووجود حلاوة العبادة، والفرح والسرور، واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله، وحضر قلبه بين يديه، كما يحصل لمن قرَّبه السلطان منه، وخصَّه بمناجاته والإقبال عليه، والله أعلى وأجل.
وكذلك ما يحصل لهذا من الدرجات العلى في الآخرة، ومرافقة المقربين؛ كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وليس كلامنا في هذا كله.
فإن أردتم وجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد؛ فذاك إليه إن شاء أن يحصلها، وإن شاء أن يفوتها على نفسه، وإن أردتم بوجوبها أن نلزمه بها ونعاقبه على تركها، ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة؛ فلا. وهذا القول الثاني أرجح القولين. والله أعلم" (انتهى) .
قلتُ: والصواب هو صحة الصلاة، وليس له مِن ثوابها إلا ما عقل منها؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: عَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالْخُمُسَ حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ ) (رواه أحمد، وقال الألباني: "حسن لغيره") ، وأما الإعادة بعد أن صلاها بنية الفريضة؛ فذلك لا يصح؛ لأن الله افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، وإذا قلنا بصحة الصلاة فإنما يكمل النقص الذي فيها بنية النافلة، وليس أنه يعيدها فريضة. والله أعلم.