شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (71) الأوضاع المتردية للأندية الرياضية (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أصبحت الأندية الرياضية من سمات العصر الذي نعيش فيه، حيث الترفيه والترويح وممارسة الرياضة إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى؛ لذا لم يكن مِن الغريب أن تكون هناك أندية خاصة داخل الشركات والمؤسسات الكبرى والنقابات، تقديرًا لدور هذه الأندية وحرصًا عليه ورضا به.

وتبقى الأندية الشعبية الكبرى، وهي أندية عامة يشترك فيها عموم الناس إلى جانب الأندية الخاصة، وتتبني هذه الأندية العامة من خلال أنشطتها الرياضية: تكوين الفِرَق الرياضية في مختلف الألعاب على كثرتها والدخول بها في منافسات مع بعضها البعض، ويقبل على تشجيع هذه الفرق في مختلف الألعاب -خاصة لعبة كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى- أعضاء كل نادٍ، والمنتمون إليه ومحبوه على مستوى القطر، بل وربما كذلك خارجه.

ويعد نادي (شيفيلد يونايتد) أقدم نادٍ في العالم، وقد تأسس عام 1857م (انظر: لعبة الحروف وكرة القدم، ص 136) ، وهناك حاليًا -على الأقل- مئات الألوف أو ملايين من الأندية في بقاع الأرض.

وخروج هذه الأندية عما أنشأت من أجله وجنوحها إلى ما لا يتفق معه يحتم إعادة النظر في أحوال هذه الأندية، وتصحيح أوضاعها؛ لتحقق الغاية المرجوة منها، وهو ما نحاول هنا الإشارة إليه.

الممارسة أهم من المنافسة:

تحرص الأندية العامة وأندية الشركات الكبرى والمؤسسات المنافسة لها على الحصول على البطولات، وتزداد شعبية وأهمية هذه الأندية بقدر ما تحصل عليه من بطولات محلية أو دولية، ولتحقيق ذلك فإن هذه الأندية تعطي الأهمية والأولوية للموهوبين من اللاعبين دون غيرهم، سواء كانوا من أبناء النادي وأعضائه أو ممَن يتم ضمهم لفريق النادي من خارج النادي في ظل نظام الاحتراف وانتقال اللاعبين بين الفرق بعقود مالية، وبالطبع مهما كثر عدد اللاعبين في الفريق فهم قلة معدودة لها معاملة خاصة مقارنة بمجموع أعضاء النادي ككل.

وفي المقابل: نجد هذه الأندية تحرص كل الحرص على زيادة عدد المشجعين لفريقها سواء كانوا من أعضاء النادي أو خارجه، وغالبًا فأكثر هؤلاء المشجعين لا يمارسون الرياضة سواء كرة القدم أو غيرها، وتتبارى الأندية في بناء ملاعب كبيرة تسع أكبر قدرٍ مِن المشجعين للنادي؛ إذ إن هذا هو أكبر همها للحصول على أكبر عائدٍ مادي من وراء حضور الجماهير الغفيرة.

ويعد ملعب (ماراكانا) في البرازيل هو أكبر ملعب في العالم حيث يتسع لأكثر من مائتي ألف متفرج، وهو تحفة معمارية ضخمة، مكون من ثلاثة طوابق، يعشقه البرازيليون ويعتبرونه درة وجوهرة (ريودي جانيرو)، ويلقبونه بـ(الإستاد البرازيلي الكبير)، وقد بنى البرازيليون هذا الملعب في هذه العاصمة القديمة (ريودي جانيرو) على شاطئ نهر صغير أطلق اسمه على هذا الإستاد، وكان مِن عوامل فوز البرازيل بتنظيم بطولة كأس العالم عام 1950م (انظر المصدر السابق، ص241) .

إن ممارسة الرياضة حق لكل مواطن، وواجب على كل مواطن أن يعتني بصحته؛ ليكون قادرًا على العطاء، ولا يكون ذلك إلا من خلال التربية البدنية، وممارسة الرياضة هي الوسيلة إلى ذلك، وهذه الممارسة تساعد الدولة عليها من خلال الأنشطة الرياضية في المدارس بمختلف مراحلها التعليمية (وهذا مهمل تمامًا)، وتساعد عليه مِن خلال مراكز الشباب والساحات الشعبية والتقصير هنا واضح، وتساعد عليه من خلال النوادي في الشركات والمؤسسات والنقابات، وهذا أيضًا غير مفعل، والمفعل منه اتجه كالأندية العامة إلى الاهتمام بالمنافسة في البطولات لا التوسع في القاعدة التي تمارس الرياضة فيها.

والمطلوب أن تكون ممارسة الرياضة للجميع ويستفيد منها الجميع، لا أن تتحول الغالبية العظمى من المواطنين إلى مشجعين ومتفرجين.

إن النجاح الحقيقي للأندية الرياضية في كم مَن يمارسون الرياضة فيها، لا ما تحققه مِن بطولات لقلة موهوبة أو محترفة قصرت حياتها على ممارسة الرياضة لا غير، واستهلكت شبابها بقوة في هذه الممارسة، فإذا بلغت أواسط الثلاثينيات من العمر انتهى دورها.

إن وجود القاعدة الضخمة من ممارسي الرياضة يعود على الأفراد من الموهوبين وغيرهم بالصحة والعافية، وبالتالي: القدرة على العمل والعطاء لسنواتٍ طويلةٍ من العمر إن لم يكن إلى آخر العمر، وهذا ما يجب أن نحرص عليه، أما قصر الرياضة على الأندية وقصر الأندية اهتمامها على الموهبين، ثم فشلها الأندية في إدارة أنشطتها الرياضية، وضعف رعايتها للناشئين عامة والموهوبين خاصة، فمحصلته هو الحصاد المر الذي نعيش فيه.

كتب الصحفي إبراهيم حجازي عن أحوال كرة القدم، وهي الرياضة الشعبية الأولى يقول: (نعم ننفق مليارات، لكنها بكل أسف في الهواء وفي المكان الخطأ، ولو تم توظيفها فيما يجب أن يكون لكانت مصر قوية كروية من زمان! كيف؟ لأننا بلد يملك أساس كرة القدم، بلد يملك مواهب فذة في الكرة وغير الكرة، لكننا لا نراها ولن نراها، مادامت منظومة الكرة تحديدًا والتعليم عمومًا على ما هي عليه، يعني إيه؟

يعني الأعداد القليلة جدًّا من الصغار التي تلعب كرة القدم، ما تكشف عنه من مواهب شحيح جدًّا، والمصيبة أن هذا العدد الشحيح من المواهب الذي ظهر لنا رعايته الفنية والبدنية والثقافية معدومة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ؛ لأن الناشئين في الأندية الكبيرة (جايين مع العفش) لا قيمة لهم في نظرة الأندية تجاههم، لأنه لا صوت يعلو على صوت الفريق الأول، ومن لا يصدقني يرجع بالذاكرة عشر سنوات للوراء سيكتشف أننا لم نشاهد موهبة واحدة ظهرت، وإن ظهرت لن نسمع عنها؛ لأن فرصة مشاركتها مع الفريق الأول صفر؛ لأن الأولوية المطلقة للمحترفين، ومنهم مَن أخذ ويأخذ فرصًا لو أن ربعها أتيح لموهبة ناشئة لتألقت؛ لأن قاعدة الاختيار أصلًا خاطئة وفاشلة في الناشئين، وتلك بداية الحدوتة.

الصفحة التالية