شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (71) الأوضاع المتردية للأندية الرياضية (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

زمان وقت كانت الرياضة موجودة في المدرسة، كانت المدرسة قاعدة ممارسة وأيضًا قاعدة منافسة؛ وقتها كانت الأندية عايشة على المواهب التي تكتشفها وتقدمها المدارس، الآن أي مرحلة سنية في أي نادٍ مقيد بها 30 ناشئًا، المواهب الموجودة في الـ 30: موهبة أو اثنان، هل هذا يعني أن مصر انعدمت بها المواهب؟ طبعًا مليون لا؛ إنما الأمر يشير إلى أن القاعدة التي تمارس كرة القدم من الصغار أصبحت بضعة آلاف على مستوى مصر، تخيلوا حضراتكم أن في سن العاشرة -وما قبلها وما بعدها- عندنا قرابة الـ15 مليون طفل! مَن وجد أمامه مساحة أرض يلعب عليها خمسة أو ستة آلاف طفل فقط، بينما الـ15 مليونًا إلا خمسة آلاف لم يلعبوا!).

ويضيف: (خلاصة القول: قاعدة الممارسة معدومة، والمواهب التي نكشف عنها قليلة، والكارثة أن هذه المواهب القليلة لا تحظى بالرعاية الفنية والبدنية والسلوكية التي تضمن تقديم لاعب بمواصفات عالمية) (جريدة الأهرام عدد الجمعة 31 يناير 2020 م: ص 17) .

التشجيع والألتراس:

المشاهدة للألعاب الرياضية فرع على هذه الألعاب، فما جاز منها شرعًا ممارسته جازت مشاهدته، وما لا يجوز منها شرعًا ممارسته لذاته أو لما يصحبه لا يجوز مشاهدته. والتشجيع أمر زائد على المشاهدة، وغالبًا يكون في مدرجات الملعب وحوله، ويكون معنويًّا أو ماديًّا بتخصيص مزيدٍ مِن المحفزات للاعبين.

وفي ظل تشجيع الممارسة -لا تشجيع المنافسة- ينبغي أن يكون التشجيع لكل ممارس ومجتهد في ممارسته أو متفوق فيها، بصرف النظر عن النادي الذي يمثِّله؛ لأن الغرض الممارسة، لكننا صرنا نرى تشجيع الجماهير وتحفيزهم قاصرًا على لاعبي النادي الذي يحبونه أو ينتمون إليه، والتثبيط والتطاول على لاعبي الفرق المخالفة وإن تفوقت، وهذا بالطبع ليس من أخلاق الإسلام.

وأصبح لكل نادٍ مشجعوه في بلده أو مدينته، فتتسابق جماهير البلد والمدينة على تشجيع فريقه بقوةٍ تزيد مِن همتهم وحماسهم خاصة في كرة القدم، حتى قيل: إن الجماهير هي اللاعب الثاني عشر لفريق الكرة المكون من أحد عشر لاعبًا يلعبون داخل الملعب، والأولى أن يكون التشجيع للجميع من الفريقين سواء أو متقاربًا؛ حتى تتساوى فرص الفريقين في المنافسة فلا تزداد فرصة فريق على آخر، ولو بإقامة المباريات على ملاعب محايدة، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ ) (قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى والطبراني باختصارٍ، ورجال أبي يعلى ثقات) . والجَلَب: الصياح على الفرس مِن قِبَله أو مِن خلفه حتى يسرع. وفي حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( لَا جَلَبَ وَلا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، والجَنَب هو: أن يصطحب الراكب فرسا لجنبه يركبه إذا تعب فرسه.

وفي الحثِّ على تشجيع كل المتسابقين جاء في الحديث عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ ) قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ ). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ، قَالَ: ( ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ) (رواه البخاري) .

وقد ابتليت الأندية الرياضية في زماننا بظاهرة "الألترس"، التي نقلت تشجيع الأندية إلى الاحترافية من خلال روابط رسمية من المشجعين، اتخذت تشجيع فريق النادي عملًا مستقلًا لها لا تتخلى عنه! وبالطبع فلكل نادٍ شعبي ألترس يشجعه، وهي ظاهرة أخذناها مِن الدول الأوروبية -كالعادة- حيث ظهرت في أوروبا في أواخر القرن العشرين روابط التشجيع لكل فريق، وانتقلت إلينا في السنوات الأخيرة حيث تتبنى أساليب غير تقليدية في التشجيع الجماعي المنظم والتفنن فيه طوال المباراة، مع التهجم على الفِرَق المنافسة أحيانًا، وكثيرًا ما تتحول الحماسة والعصبية مع التعصب إلى عنفٍ حقيقيٍ خارج وداخل الملعب، وزاد الأمر سوءًا أن صارت مجموعات الألتراس تتنافس فيما بينها، لنشهد ما يمكن تسميته بحرب المدرجات التي لا تخلو من العنف والشغب، والضرب والإتلاف، والكسر والحرق! وهذه كلها في الشرع جرائم وجنايات تستلزم العقوبة والقصاص، وقد ما زالت أحداث فبراير 2012م التي قامت فيها جماهير الألتراس (جرين إيجلز) المشجعة لفريق المصري البورسعيدي بالهجوم على جماهير الألتراس المشجعة للنادي الأهلي في إستاد بورسعيد وانتهت بمقتل أكثر من سبعين مشجع أهلاوي في واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الكرة المصرية، وللأسف لها مثيلاتها في الملاعب الأوروبية.

ألعاب لا تجوز ممارستها شرعًا:

مما ينبغي التنبه إليه أن هناك ألعابًا لا يجوز شرعًا ممارستها داخل الأندية الرياضية؛ لضررها ومخالفتها لآداب وأخلاق الإسلام، ونشير هنا إلى اثنين منها:

المصارعة الحرة:

جماهير العلماء على أن المصارعة مباحة غير محرمة؛ لما ورد من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صارع ركانة فصرعه -صلى الله عليه وسلم-، فدلَّ ذلك على جوازها؛ لما فيها مِن التدريب على القوة، وبالتالي التقوي على الجهاد وأساليب القتال، وهي لا تنافي الفضل والعلم والشرف، ويشترط لممارستها تجنب كشف العورة والفخذين منها (العورة المخففة).

واختلف في حكم بذل العوض فيها على قولين، لكن يجب التنبه أن ذلك يتعلق بالمصارعة الخالية من الضرر، بخلاف المصارعة الحرة التي تتضمن الضرب العنيف، وإلحاق الأذى الكبير باللاعبين خاصة المهزوم منهما؛ فلا تجوز.

الملاكمة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية