دروس من قصة أصحاب الغار (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
(فضل بر الوالدين)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- ذكر الشاهد من القصة على فضل بر الوالدين: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاء ) (متفق عليه واللفظ لمسلم) .
- صورة فريدة لما يصنعه الإيمان في القلوب والجوارح (يرعى الغنم طوال النهار، مع يوم مِن أشق أيام الرعي، ولم يتناول عشاءه، والصغار من حوله يبكون جوعًا، ثم قيامه على رجليه طوال الليل!): "وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب".
(1) من فضائل بر الوالدين:
- الإشارة إلى أن الفضائل كثيرة، ولكننا سنقف على أحدها وأعظمها وخلاصتها.
- هو أقرب الطرق إلى الجنة: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ جَاهِمَةَ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ. فَقَالَ: ( هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ ) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: ( الْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) . وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ )، فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) . وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلاقِهَا. فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ) قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم) .
(2) مكانة الوالدين:
- كما أن التوحيد أعظم حق للخالق، فإن الإحسان إلى الوالدين أعظم حق للمخلوق: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ( أُمَّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمَّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمَّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أَبُوكَ ) (متفق عليه) . قال الله -تعالى-: ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) (الأحقاف:15) ، قال الله -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (النساء:36) ، وقال: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (الإسراء:23) .
- الآباء لا يحتاجون إلى وصية بالأبناء؛ لأنهم مفطورون على محبتهم ورحمتهم: عن قرة بن إياس المزني قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتُحِبُّهُ؟ )، فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ. (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- موتك أعظم المصائب على والديك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ ) (رواه أحمد الترمذي، وحسنه الألباني) .
- مع أنك أحوج إلى الوالدين، لا سيما فى الصغر: قال الله -تعالى-: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) (الضحى:9) . وقال -صلى الله عليه وسلم- ( الْوَلَدُ مِنْ كَسْبِ الْوَالِدِ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) .