دروس من قصة أصحاب الغار (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- فها هي الأم تتحمل الصعاب والآلام من أول لحظة فى وجودك: قال الله -تعالى-: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) (لقمان:14) ، ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) (الأحقاف:15) . وجاء رجل إلى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فقال: "إني أحمل أمي وأطوف بها، أتراني وفيتها حقها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة من زفراتها!".
- تسهر الليل على راحتك وتفزع لبكائك وتتلوث لتطهرك من النجاسة: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: "إن لي أمًّا بلغ الكبر منها أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية فهل أديت حقها؟ قال: لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنتَ تصنعه وتتمنى فراقها!".
- وها هو أبوك يسعى في الدنيا لأجلك، فيحرم نفسه ليعطيك، ويضعف بدنه ليقويك، ويفديك من المخاطر بنفسه ليبقيك: كتب أحد الصالحين إلى أبيه: "جعلني الله فداك"، فكتب إليه الوالد: "لا تكتب مثل هذا، فأنت على موتي أصبر مني على موتك".
- ولذلك مهما عملنا لهم، فلن نوفيهم حقهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ) (رواه مسلم) .
(3) خطر العقوق:
- مدخل: إذا لم نستطع الوفاء بحقهم مهما فعلنا، فكيف بمن يعقهم ويحزنهم؟!
- لقد جاء دورك في الوفاء بالجميل للوالدين، فأنت إلى قوة واستطاعة وهما إلى الكبر والضعف: قال الله -تعالى-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) (الإسراء:23) ، وقال -تعالى-: ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ) (الرحمن:60) .
- الحذر من مسلك الجحود والإنكار، ونسيان أمر الله بالإحسان إليهما، والوقوع في العقوق الذى قرن بالشر: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ) ثَلاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( الإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ: ( أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ )، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ! (متفق عليه) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
(4) نماذج من البرِّ:
أولًا: بر الأنبياء:
- نوح -عليه السلام-: ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) (نوح:28) .
- إبراهيم -عليه السلام- مع الأب المشرك: ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ) (مريم:42) ، وقال الله -تعالى- عنه: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (إبراهيم:41) .
- عيسى -عليه السلام- وبره لأمه: ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) (مريم:32) .
- يحيى -عليه السلام- وتزكية الله له: ( وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ) (مريم:14) .
- محمد -صلى الله عليه وسلم- وعظيم شفقته ورحمته بأمه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ) (رواه مسلم) .
ثانيًا: بر السلف:
- شدة الورع لتحصيل البر: قيل لزين العابدين بن الحسين: "إنك مِن أبر الناس بأمك، ولا تأكل معها؟ فقال: إني أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون عققتها" (عيون الأخبار نقلًا عن عقوق الوالدين للحمد) .
- العالِم الخاضع الذليل لأمه: "كان حيوة بن شريح يجلس في مجلس العلم، فربما تأتي أمه فتنادي: يا حيوة، قم فألق الشعير للدجاج فيقوم!".
- العابد الفقيه، وتمريض الأم مقدم على صلاة الليل: "قال محمد بن المنكدر: بات عمر شقيقي يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب ليلتي بليلته".
خاتمة: برهما بعد موتهما:
- الاستغفار الدائم وتمديد أعمالهما بما ينفعهما في الآخرة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
- صلة رحمهما وإكرام صديقهما: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ) (رواه مسلم) .
فاللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وعافهم واعفُ عنهم، وأكرم نُزل مَن مات منهم.