شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (72) لا للعنف... لا للخشونة في ممارسة الرياضة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الغرض مِن ممارسة الرياضة هو بناء البدن بناءً صحيًّا، فيتمتع ممارس الرياضة بالقوة واللياقة البدنية والعافية؛ هذا إلى جانب ما في ممارسة الرياضة من الترويح والترفيه ودفع الملل والسأم عن النفس، مع ما فيها من تكوين الصداقات مع الآخرين ممن يشاركون الممارس في نفس اهتماماته الرياضية، وكل هذا يعود على الفرد بالنشاط والحيوية، وينمي فيه القدرة الكبيرة على العمل والإنتاج والعطاء المستمر، بل والتحصيل والفهم والابتكار، فالعقل السليم تكمل سلامته بسلامة البدن ووجود النفس السوية واعتدال المزاج، وممارسة الرياضة بأنواعها هي السبيل القويم لتحقيق ذلك.

ممارسة الرياضة والعنف فيها:

نظرًا لما يتمتع به الرياضيون من الصحة والعافية، ونظرًا لما يخوضونه من المنافسات والمسابقات في الألعاب الجماعية سواء باستخدام الكرة كما في كرة اليد وكرة السلة وكرة القدم، أو كانت بدون استخدام الكرة كما في المصارعة والكاراتيه والجودو وغيرها، فإن الحماسة والحرص على الفوز وإظهار القوة والمهارة والتفوق على الآخرين، قد يوقع البعض في عنفٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ، ويجعل اللجوء إلى الخشونة سبيلًا لتحقيق الفوز، بل قد يكون وسيلة لتعويض النقص في المهارات والإمكانيات في مواجهة مَن هم أعلى مهارة وإمكانيات بدنية أو تكتيكية.

وهذا العنف وهذه الخشونة -بلا شك- سلبية من السلبيات التي يجب البُعد عنها؛ لما فيها من إيذاء للآخرين -تعمدًا كان أو بغير تعمد- مع القدرة على اجتنابه، وشتان بين الجدية في الأداء وإظهار القوة التي يتمتع بها الرياضي وارتفاع لياقته وبين إيذاء الآخرين في أبدانهم إيذاءً يفضي إلى إصابات وجروح وكسور، بل وربما عاهات تقعد المنافس عن ممارسة الرياضة بصفةٍ مؤقتةٍ لحين الشفاء منها، أو بصفة دائمة؛ لما تركته من أثرٍ لا يزول بالكلية، وهي في الحقيقة -بصرف النظر عن نية مرتكبها- قد تعرض أو ينبغي أن تعرض المتسبب فبها للمساءلة الجنائية، واحتمالية القصاص؛ حفاظًا على حق المصاب وتعويضًا له عما أصابه، والأصل في ممارسة الرياضة تفادي العنف والخشونة، بل والحرص كل الحرص على سلامة المنافسين مهما كانت الظروف والأحوال.

الإسلام يرفض العنف:

معلوم أن الإسلام يحرِّم على المسلم -وبشدة- إيذاء الآخرين والتعدي عليهم، ويوجب عليه اتخاذ التدابير والاحتياطات التي تمنع ذلك حتى مع انتفاء نية تعمد الإيذاء أو العنف، وهي أخلاق يجب أن ترتبط بممارسة الرياضة الجماعية غاية الارتباط بمنع كل ممارسة رياضية فيها إيذاء للآخرين، بل بمنع ممارس الرياضة الجماعية من هذه الممارسة إن كان ممن لا يقدر على كبح جماح نفسه حال الاندماج في اللعب من اللجوء إلى الخشونة والممارسة العنيفة التي يتكرر منه فيها إيذاؤه للآخرين، بل ومحاسبته جنائيًّا على ما يحدثه من إصابات وجروح وكسور تتكرر منه كثيرًا مع منافسيه.

قال -تعالى-: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (الحجر:88) ، وقال -تعالى-: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:215) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) .

وفي الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) (متفق عليه) ، ومثلها بالطبع القدم في كرة القدم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ ) (متفق عليه) ، وعنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) (رواه مسلم) ، وعنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ) (رواه مسلم) .

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ-، أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّار ) (متفق عليه) ، وفي رواية عند مسلم قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ )، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

المصارعة الحرة:

المصارعة رياضة من الرياضات القوية القديمة في تاريخ العالم، والصرع هو الطرح أرضًا، فهي صراع بين اثنين يحاول كل منهما أن يصرع صاحبه، أي: يطرحه أرضًا، وهي اليوم رياضة شهيرة لها حلبة، وهي عادة فراش من المطاط اللين على شكل مربع أو مسدس الأضلاع، ويشهدها حكم يدير المصارعة، وقاضي يحتسب النقاط، ومراقب للوقت، حيث تستمر المصارعة لفترة زمنية محددة الفائز فيها من يجمع أكثر النقاط أو يستطيع تثبيت منافسه أرضًا مع لمس كتفيه لرض الحلبة مدة تزيد عن ثانيتين.

الصفحة التالية