الفساد (72) لا للعنف... لا للخشونة في ممارسة الرياضة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
والمصارعة جائزة غير محرمة عند جمهور أهل العلم لما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صارع ركانة بن عبد يزيد، فصرع النبي ركانة أكثر من مرة، والحديث رواه أبو داود (4078) والترمذي (1/329) والحاكم (3/ 452) والبيهقي (10/18) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (5 / 329)؛ فدل على إباحة المصارعة، وعلى أن المصارعة لا تنافي الوقار والشرف والعلم والفضل وعلو السن (راجع: المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية، د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري -ط. دار الحبيب- الرياض ط. الثانية - 1420 هـ - 2000 م) .
وتعلم المصارعة والتدرب عليها وممارستها مطلوبة؛ لما فيها مِن قوة وتدريب على القوة والتقوي على الجهاد، وهذه المصارعة المحثوث على تعلمها هي ما كان منها خاليًا من ضرر ومحرم.
أما المصارعة التي يمارسها المصارعون المحترفون وتعرف باسم: (المصارعة الحرة) أو (مصارعة المحترفين): فهي مصارعة وحشية فيها تعمد إلحاق الضرر بالخصم بأقصى درجة ممكنة، (فمن رآها يرى غالبًا وحوشًا بشرية تخلت عن كل المبادئ الخيرة، فلا شك أنها بهذه الصورة محرمة؛ لما فيها من كشف العورات (إذ الفخذان عورة مخففة يحرم كشفها عند جمهور العلماء) وجلب للمضرات، فضررها أكثر من نفعها.
وبناءً على ذلك: فمِن المحتم على المسلمين أن يجنبوا أبناءهم المصارعة بهذا الشكل المفزع، وأن يتجنبوا عرضها عليهم بهذه الصورة؛ لأن في ذلك إعطاء صورة سيئة للعبة المصارعة، والله أعلم) (المصدر السابق، ص 168) .
الملاكمة:
الملاكمة رياضة بدنية تقوم على اللكم باليدين، سواء ملاكمة هواة أو ملاكمة محترفين، واللكم هو الضرب باليد مجموعة، لكمه: ضربه بجميع كفه. وقد نظمت رياضة الملاكمة في إنجلترا في القرن الثامن عشر الميلادي، ووضعت قواعدها تباعًا، وطبقت في كل مكان منذ عام 1891م.
وفيها يتلاكم المتنافسان في حلبة معدة لذلك، مع استعمال قفازين وارتداء حزام واقي حول البطن، ووضع قطعة من الكاوتشوك بين الأسنان لحمايتها، ذلك في وجود حكم، ومدرب لكل ملاكم، وقاضي ومراقب للوقت.
وتتكون المباراة من جولات متفق عليها، تستمر كل جولة لدقائق معدودة متفق عليها، بين كل جولتين وقفة للاستراحة والعلاج السريع للإصابات إن وجدت، وتلقي التوجيهات من المدرب.
والفائز من الخصمين مَن يحصل على أعلى النقاط في نهاية الجولات كلها، أو من ينجح في تحقيق الضربة القاضية قبل انتهاء الجولات، أو ينسحب منافسه من اللقاء قبل انتهائه، أو يقوم مدربه برمي منشفته لما يراه من تردي حالة لاعبه الذي يدربه.
ولعبة الملاكمة لا تجوز، فهي محرمة، (لما يترتب عليها من الخطر العظيم على اللاعبين أو أحدهما، إذ كل يحرص على إصابة صاحبه باللكمات، وكثيرا ما يحدث إغماء، وقد يحصل كسور في العظام أو خدوش أو جروح، والله -سبحانه- يقول: ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (البقرة:195) ، ويقول -سبحانه-: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (النساء:29) ، (ويدل على تحريم الملاكمة الحديث المرفوع: ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ ) (متفق عليه) ، وهذه اللعبة قائمة على ضرب الوجه) (راجع المصدر السابق، ص 171) .
فالملاكمة (تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاءً بالغًا في جسمه)، (دون مسئولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى، وهو عمل محرم مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام) (انظر: "كرة القدم وأخواتها"، لأبي ذر القلموني - ط. دار ابن الجوزي القاهرة - ط. أولى عام 1432 هـ، ص 132- 133) .
ومن المعروف أن أشهر ملاكم في تاريخ الملاكمة وهو الملاكم "محمد علي كلاي" قد أصيب بمرض (الرعاش) بعد اعتزاله، وأرجع الأطباء أن من أسباب المرض ما تلقاه من ضربات خلال ممارسته للعبة الملاكمة العنيفة .
مصارعة الثيران:
مصارعة الثيران صورة مِن صور الرياضة البدنية المعتادة في بعض البلاد الأوروبية، وتعرض من خلال برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية.
وتقوم اللعبة على مهارة المصارع وبراعته في استخدام السلاح في مواجهة أحد الثيران الهائجة بعد استفزازه، وهي (محرمة شرعًا في حكم الإسلام؛ لأنها تؤدي إلى قتل الحيوان تعذيبًا بما يغرس في جسمه من سهام، وقد تؤدي هذه المصارعة إلى أن يقتل الثور مصارعه، وهذه المصارعة عمل وحشي يأباه الشرع الإسلامي الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: ( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ) (متفق عليه) ، فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب دخول النار يوم القيامة؛ فكيف بحال من يعذب الثور بالسلاح حتى الموت؟!) (راجع المصدر السابق، ص 133-134) .
كرة القدم والخشونة:
لعبة كرة القدم من الألعاب الجماعية التي تستخدم فيها الكرة، ولكنها تقتصر على استعمال القدمين -أو الرأس- في توجيه الكرة، فتختلف عن سائر الألعاب الجماعية الأخرى التي تستخدم فيها اليد في توجيه الكرة كما في كرة اليد وكرة السلة، والكرة الطائرة وكرة الماء، ونحوها، ومعلوم أن قدرة تحكم اللاعبين في لعب الكرة باليدين أكبر، أما قدرة تحكم اللاعبين في لعب الكرة بالقدمين حال الحركة والجري فأقل؛ لذا فالإصابات في لعبة كرة القدم أكثر وأشد عند تلاحم اللاعبين بالأقدام بقوة أو التداخل فيما بينهم حال الوقوف أو الجري والاشتراك في التنافس على استخلاص الكرة من بين أرجل الآخرين أو الوصول إلي الكرات العالية في الهواء بالرأس قبل المنافسين مما يترتب عليه -خاصة حال استخدام العنف واللجوء إلى الخشونة- إلى اصطدام الأرجل والأقدام والرؤوس.