دروس من قصة أصحاب الغار (4) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
فضل أداء الحقوق لأهلها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- ذِكر الشاهد من القصة بعد الإشارة إلى ملخص ما سبق: قال النبى -صلى الله عليه وسلم-: ( وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ) (متفق عليه) .
وفى رواية: ( وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ ) (متفق عليه) . وفي رواية الطبراني عن أنس -رضي الله عنه-: ( فَقَالَ أَحَدُهُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَمِلْتُ عَمَلَ اثْنَيْنِ وَاللَّهِ لَا آخُذُ إِلَّا دِرْهَمًا فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ ).
- أين هذا النموذج الراقي ممَن يأكلون أموال الناس، ولا يتحرجون من ظلم العمال والخدم والضعفاء؟!
(1) فضل الصدق والأمانة وأداء الحقوق:
- الأمانة وحسن القضاء من هدي الأنبياء: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان لرجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- سِنٌّ مِنَ الإبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقالَ: ( أَعْطُوهُ )، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا له إلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقالَ: ( أَعْطُوهُ )، فَقالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بكَ، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ) (رواه البخارى) .
- أداء الحقوق والوفاء بالعهود، هي أخلاق المؤمنين الصالحين: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) (المؤمنون:8) ، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) .
- الإشارة إلى كلام العلماء في تصرف المستأجر، وترجيح أنه صارت الأجرة في ذمة المستأجر دينًا للأجير، وأن ما أعطاه للأجير كله كان تبرعًا وهو مِن حُسن خُلُقه؛ ولذلك كان مِن أجلِّ الأعمال التي توسَّل بها إلى الله -عز وجل- لتفريج كربهم.
(2) الحكمة من تفاوت الناس فى درجاتهم فى الدنيا:
- خلق الله الناس على تفاوت بينهم في المواهب والقدرات؛ ليعمر الكون بحاجة بعضهم إلى بعض (1) : قال -تعالى-: ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ ) (الأنعام:165) ، وقال: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) (الزخرف:32) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
- ارتفع الإسلام بدرجة العامل والفقير إلى درجة الأخوة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) (متفق عليه) ، وعن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: ( اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ )، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ )، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: ( اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ )، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا. (رواه مسلم) ، وفي رواية لمسلم: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: ( أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ ) أَوْ ( لَمَسَّتْكَ النَّارُ ).
(3) تحريم ظلم العمَّال والأُجَرَاء:
- ألزم الإسلامُ المستأجرَ بالوفاء بأجرة الأجير مع فراغه من العمل، ما لم يتفقا على غيره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُه ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .