شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (1) فرنسا تاريخ من العداء مع المسلمين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبيْن يدي التعليق على خطاب الرئيس الفرنسي "ماكرون"، والأحداث التي تَلَتْه نقدِّم هذا العرض التاريخي؛ لأنه من الواضح أن العقل الجمعي الفرنسي هو عقل دموي سلطوي، سواء كنا نتحدث عن فرنسا البابوية في العصور الوسطى، أو فرنسا الإمبراطورية في بداية العصر الحديث، أو فرنسا المعاصرة!

بداية ظهور فرنسا في التاريخ البشري:

لم تكن فرنسا قبل بعثة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- إمبراطورية، ولا دولة ولا دويلة، بل كانت مجموعة من القبائل التي يَنظر إليها الرومان نظرةَ تَعالٍ، ويعاملونهم على أنها بلاد لن يضيف حكمها شيئًا ذا بالٍ لإمبراطوريتهم، وأن كل ما تحتاجه الإمبراطورية الرومانية من هذه البلاد هو أن يوقفوا عمليات العدوان على الممتلكات التي كانت تأتي من هذه البلاد.

ويمكن اعتبار القرن السادس الميلادي الذي شَهِدتْ نهاياته بعثةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- هو بداية وجود دورٍ ما لقبائل الإفرنج في ألمانيا وفرنسا بدخولهم النصرانية، ومحاولة الحصول على تأييد البابا بتزكية قادتهم كملوك على بلادهم أو على بقايا الإمبراطورية الرومانية الغربية، والذي تُوِّج في النهاية بتزكية البابا لشارلمان كمَلِكٍ على الإمبراطورية الرومانية ذاتها.

فرنسا تُهادِن وتخطب وُدَّ الخلافة العباسية:

كانت فرنسا في بداية نشأتها تخطب ود الخلافة العباسية في الشرق الإسلامي، بينما كانت تتعرض لهجماتٍ عنيفةٍ من الخلافة الأموية في الأندلس، وقد استطاعت فرنسا أن تقنع الخلافة العباسية بأنها يمكن أن تكون حليفًا لها ضد الإمبراطورية الرومانية في شرق أوروبا؛ ولقد استفادت فرنسا من هذه النوايا وكفت عنها الدولة العباسية التي كان يمكنها أن تصل إليها عن طريق البحر، وتطوقها في نشأتها.

ومِن جملة الاستفادة القدرية التي استفاد منها الغرب الأوروبي: توجه طاقة الدولة الرومانية بشكلٍ كبيرٍ نحو قتال المسلمين، أو الاستعداد للدفاع عن القسطنطينية التي انتقلت إليها عاصمة الدولة الرومانية، وكانت جيوش المسلمين تتتابع عليها في محاولة لفتحها، حتى قال أحد كبار مؤرخيهم -وهو بيرين-: "بدون محمدٍ لا وجود لشارلمان"

ولم تكن استفادة فرنسا من المسلمين مجرد انشغال الدولة البيزنطية عن حربهم بحرب المسلمين، ولا حتى الهدنة التي سَلِموا بسببها من هجمات الشرق الإسلامي عليهم، ولكن استفادوا كذلك استفادة علمية تعبِّر عنها قصة الساعة التي أهداها "هارون الرشيد" لشارلمان.

ساعة "هارون الرشيد" وشارلمان:

في حوالي سنة 800 ميلادية، أي: بعد حوالي 200 عام على بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد أن حرر الإسلامُ العقلَ البشري من قيود الخرافة، وطمأن القلب البشري بطمأنينة اليقين بمعرفة خالقه، لينطلق العقل الإسلامي في ميدان عمله مؤسسًا للعلم التجريبي على حساب تخرصات الفلاسفة التي كانت أوروبا ما زالت غارقة فيها! (ومن أراد أن يستجير منها لم يكن أمامه إلا خرافات مِن نوعٍ آخر مع رجال الكهنوت).

وفي ظل هذا التفوق العلمي الساحق للمسلمين آنذاك وقعت تلك القصة الطريفة:

فقد أَهْدَى "هارون الرشيد" إلى شارلمان ساعة نحاسية عجيبة، طولها نحو أربعة أمتار تعمل بقوة الماء، وكانت عجيبة التصميم! فلما رآها الرهبان في بلاط الملك الفرنسي شارلمان خافوا منها أشد الخوف، وجزموا أن الشيطان بداخلها وأنه مَن يحرِّكها (والغرب في ذلك الوقت كان يفسِّر كل معجزة للرسول -صلى الله عليه وسلم- وكل كرامة لأتباعه أنها مِن فعل الشيطان، ثم زادوا ففسَّروا كل تقدم علمي للمسلمين أنه أيضًا من فعل الشيطان!).

وطلبًا لطرد الشيطان الذي بداخلها قام الرهبان بتكسير تلك الساعة، ولم يجدوا بداخلها ذلك الشيطان، وحزن شارلمان كثيرًا على تلك الساعة، واستدعى أمهر الصناع ليعيدوا إصلاحها ففشلوا، وعرضوا عليه أن يطلب من هارون الرشيد أن يرسِل له مَن يصلحها فخجل من هذا، وقال: "إذا فعلنا هذا؛ فإنما نرتكب عارًا باسم فرنسا كلها!".

والقصة مذكورة في كثيرٍ مِن الكتب المعاصرة، منها كتاب: "تاريخ الدولة العباسية" للدكتورة "إيناس محمد البهيجي"، ويقولون: إنها مذكورة في بعض المراجع الفرنسية، والعجيب أن المراجع العربية خَلَتْ مِن ذكرها! ويبدو أن هارون الرشيد -عفا الله عنه- خجل أن يظهر أنه يهدي هدية لمَلِك يحارب إخوانه في الأندلس، ولنا وقفة مع هذه الجزئية نذكرها في آخر المقالة -بإذن الله-.

دموية فرنسا بين أبناء الدين الواحد قبل أن توجه إلى المسلمين:

في الوقت الذي دَاهَن فيه شارلمان الدولة العباسية وخطب وُدَّها، مَارَسَ في المقابِل -طلبًا لنيل رضا البابا- أشدَّ أنواع التنكيل بكلِّ مَن خالف الكنيسة الكاثوليكية، وهي ممارسات عمَّت أوروبا بأسرها، واستمرت أكثر من عشرة قرون ولم تتخلص منها أوروبا إلا في العصر الحديث بموجة العالمانية التي مهَّدَت لها إنجلترا في القرن السادس عشر الميلادي، ثم جاءت الثورة الفرنسية لتنتصر لها انتصارًا ساحقًا عائمًا على بحورٍ مِن الدم، ولكن الذاكرة الأوروبية غفرتْ للثورة الفرنسية دموية 10 سنوات من الدم مقارنة بدموية الكنيسة التي امتدت أكثر من عشرة قرون!

وإذا كان الدم هو لغة حل الصراعات الداخلية عند الإفرنج، فما بالك عندما يتعلق الأمر بصراعاتٍ خارجيةٍ لا سيما مع المسلمين، فعبر تاريخ فرنسا وبمجرد شعورها بشيء من التفوق العسكري على بلاد المسلمين رمت فرنسا العالم الإسلامي بكثيرٍ مِن الإرهاب والعنف والقتل، ونهب الثروات.

ويبرز هذا في ثلاث محطات رئيسية:

الأولى: الحروب الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.

الثانية: الحملة الفرنسية على مصر في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي.

الثالثة: احتلال بلاد المغرب العربي في أوائل القرن التاسع عشر، ثم احتلال سوريا ولبنان في أوائل القرن العشرين ضمن تقسيم التركة العثمانية بينها وبين إنجلترا في اتفاقية "سايكس - بيكو".

الصفحة التالية