"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (1) فرنسا تاريخ من العداء مع المسلمين
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
ورغم كثرة شواهد العُدوان الفرنسي على المسلمين عبْر تاريخهم، فإن خطاب ماكرون الأخير مرشح وبقوة ليوضع بجوار هذه المحطات الكارثية في التاريخ الفرنسي؛ لا سيما وهو يصدر في ظل نظام يزعم انتهاء حقبة الإمبراطوريات والاحتلال، ويزعم أن الدولة تقف على مسافةٍ واحدةٍ من جميع أديان مواطنيها -كما سنبيِّن إن شاء الله-.
فرنسا تقود الحروب الصليبية بطريقةٍ وحشيةٍ همجيةٍ:
في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي بعد فترة وجيزة جدًّا من استكمال فرنسا لمقومات الدولة مِن: شعب، وأرض، ونظام حكم، كان أول ما حاولت به حجز مقعد لها في التاريخ؛ أن كانت هي موطن تحريض البابا "أروبان" على الحروب الصليبية ضد بلاد المسلمين (الكفار وفق وصفه!).
لقد حرَّض وألهب "أروبان" حماسَ الإفرنج ولمس عدة مفاتيح في العقل الجمعي الأوروبي، ولن تحتاج إلى كبير تأمل لتدرك هذه المفاتيح إذا قرأتَ خطاب أروبان الذي دشَّن به تلك الحروب كما أوردها المؤرخ "جوستاف لوبون" في كتابه: "حضارة الغرب".
وفي هذه الخطبة قال "أروبان": "يا شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت مِن تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنسًا لعينًا أبعد ما يكون عن الله، قد طغى وبغى في تلك البلاد؛ بلاد المسيحيين في الشرق، قلب موائد القرابين المقدسة، ونهب الكنائس وخرَّبها وأحرقها، وساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، ودنسوا الأماكن المقدسة برجسهم، وقطعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين... على مَن إذًا تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم؟! أنتم يا مَن حباكم الله أكثر مِن أي قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة، وبالقدرة على إذلال رؤوس مَن يقفون في وجوهكم.
ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم؛ فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا -الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لُوثت ودُنست-، لا تدعوا شيئًا يقعد بكم من أملاككم أو من شؤون أسركم؛ ذلك بأن هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار، وتلك الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بما يكفيكم من الطعام، ومِن أجل هذا يذبح بعضكم بعضًا، وتتحاربون ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية. طهِّروا قلوبكم إذًا مِن أدران الحقد، وأقضوا على ما بينكم من نزاع واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج، إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجدًا لا يفنى في ملكوت السماوات".
وبعد هذا التحريض الديني، وذِكر ضيق أوروبا بأهلها، والترغيب في نهب بلاد المسلمين تمت تحركات الحملات الصليبية، وكان مِن أمرها ما كان؛ فكيف كان سلوكها؟
وكيف كانت أخلاقهم في الحرب؟
- قال الراهب "روبرت" -وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس- واصفًا سلوكَ قومه -كما نقله عنه "جوستاف لوبون" في كتابه "الحضارة العربية"-: "كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين، وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خُطفت صغـارها! كانوا يذبحـون الأولاد والشباب، ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبلٍ واحدٍ بغيـة السرعة، وكان قومنا يقبضـون كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعًا ذهبية! فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث!).
تفنيد الباعث الديني الأساسي للحروب الصليبية:
كان النصارى يأتون من بلاد الإفرنج ليحجون إلى مزاراتٍ لهم في القدس وهم يمرون في طريقهم بكثيرٍ من الأماكن غير الخاضعة لسلطان أي حاكم، فكانوا يتعرضون لغارات سرقة، سواء في أوروبا الغربية أو الشرقية أو في بلاد الشام.
وقد سمحت الدولة الإسلامية آنذاك بقدوم هؤلاء الحجيج، ومعهم عدد من الفرسان يقدِّر بالآلاف لحمايتهم (في حالة مِن حالات التسامح النادرة بالسماح لمقاتلين بدخول حدود دولة أخرى؛ لا سيما في هذا الزمان)، ولكن في النهاية كانت الوفود تعود وقد تمكَّن اللصوص من اصطياد بعض مَن يضل الطريق منهم، فيعودون بخسائر في الأموال والأرواح، وتقمص هؤلاء الفرسان دور مؤلفي الروايات البوليسية ليحكوا عن قتلٍ وتعذيبٍ وأسرٍ تَعرضتْ لهم قوافلهم على أيدي المسلمين (الكفار الأنجاس الملاعين) على حدِّ خطاب أروبان!
وبالطبع لم يعمل أروبان ولا المستمعون إليه عقولهم -أو لم يشاءوا هذا- في أنه لو كانت الدولة الإسلامية بجيوشها راغبة في فعل هذا لما عاد مِن هذا الوفد أحدٌ، وهو يبعد تلك المسافة الشاسعة (مسيرة نحو ثلاثة أشهر بمعايير ذلك الزمان) عن بلده وعن قواته.
إن مَن له أدنى مسكة مِن عقلٍ كان ولا بد أن يدرك كذب هؤلاء الفرسان، ولكن الحقد الديني الأعمى الممتزج برغبة عارمة في ثروات المسلمين؛ دفع أروبان إلى أَنْ يتهم، والجمهور إلى أن يصدِّق، والجيوش إلى أن تتحرك!
هل عامل "صلاح الدِّين" الإفرنج بالمثل؟
إذًا فتحرُّك الجيوش الصليبية كان مدفوعًا بتهمة باطلة شكلًا وموضوعًا، وانتقامهم جاء وحشيًّا همجيًّا، وبينما هذا السلوك الهمجي ماثلًا في الأذهان، وبعد 88 سنة منه فتح "صلاح الدين" القدس.
ومرة أخرى مع "لوبون" يصف لنا "صلاح الدين":