"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (1) فرنسا تاريخ من العداء مع المسلمين
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
وعندما رفضت سوريا تنفيذ الانتداب الفرنسي -(الاسم اللطيف الذي شرعنت به عصبة الأمم الرضوخ لما هو مقرر سلفًا باتفاقية سايكس - بيكو")، قامت فرنسا باحتلال عسكري صريح لسوريا، وكان لها في كل بلد من هذه البلاد الكثير مِن جرائم الحرب التي هي امتداد لذات سلوكهم في الحروب الصليبية.
تعليقات ودروس مستفادة من هذا التاريخ
1- الأخوة الإيمانية والجهاد في سبيل الله وأثرهما في النصر على الأعداء، ورد عدوانهم على المسلمين:
مِن هذا العرض الموجز يتبيِّن كيف استفادت فرنسا في بداية نشأتها من انقسام العالَم الإسلامي (وكان آنذاك منقسمًا إلى دولتين فقط: الخلافة الأموية في الأندلس، والخلافة العباسية في بقية العالم الإسلامي).
وفي المقابل: رأينا أثر سريان الإيمان بالوحدة الإسلامية في اندحار الحروب الصليبية، ورغم أن العالم الإسلامي وقتها كان ممزقًا إلى دويلاتٍ، لكن وجود روح الأخوة الإيمانية صهرت المصري والشامي والكردي؛ ليصنعوا معًا ملحمة إنقاذ بيت المقدس بعد ما وَقَع في براثن الصليبيين.
ومرة أخرى: كانت الحملة الفرنسية والتي مِن جهة استفادت مِن خيانة بعض أمراء البلاد الساحلية فى الشام، ولكن رأينا مِن خلالها كيف كان الأزهر مقصد طالبي العلم الشرعي، وكيف أقدم أحدُهم، وهو: "سليمان الحلبي" -رغم عدم مصريته- على قتل "كليبر" قائد الحملة بعد نابليون، وهو يعلم أن هذا يؤدي إلى قتله حتمًا.
هذا هو الجهاد، وهذه هي الوحدة الإسلامية التي تجلت عبْر تاريخ المسلمين في خلافة جامعة لأقطار العالم الإسلامي، فإن كان هناك عجزٌ عن هذه الصورة؛ فلا أقل من استبقاء معانيها.
وهذا ما أخذته أوروبا عنا في مرحلة ما بعد الدولة القطرية الحديثة، حينما أقاموا الاتحاد الأوروبي بخطواتٍ محسوبةٍ، وإجراءاتٍ تدريجيةٍ
2- مَن المستفيد مِن نشر "المفهوم الداعشي" للخلافة والجهاد؟!
عن البحث عن فاعل جريمة ما، تقول القاعدة: "ابحث عن المستفيد".
وفي الواقع فلسنا في حاجةٍ إلى كبير بحثٍ أو عناءٍ؛ فقوام "داعش" الرئيسي مكون من مسلمين أوروبيين مُنعوا مِن التواصل مع منابع المنهج الإسلامي الوسطي، وسُهِّل لهم السفر إلى منطقة الصراعات في العراق وسوريا، ومُنحوا منابر إعلامية وإمكانات هوليودية في إخراج مقاطعهم المرئية!
وكل هذا والدول الكبرى تحرس مياه البحر المتوسط، وتحتل سماء العراق وسوريا!
وبالتالي: فلا بد من وجود رغبة لدى شرطيي العالم في انتشار "داعش"، والاستفادة واضحة؛ فهؤلاء يقدِّمون صورة منفِّرة عن الإسلام ككل بصفةٍ عامةٍ، وعن قضيتي: الخلافة والجهاد بصفةٍ خاصةٍ
فماذا يريد منا الغرب؟!
الغرب حينما يعارض الخلافة الإسلامية لا يعارِض تهور "داعش" -ولا غيرها-، حيث يظنون أن السبيل إلى الوحدة الإسلامية هو تمزيق بلادهم ومحاربة جيوشها بدلًا من تقويتها، والعمل على زيادة التعاون التدريجي بينهم، وكذلك الغرب حينما يعارض الجهاد لا يعارض سفكَ دماء المسلمين، والعُدوان على المعاهدين والمستأمنين الذي تفعله "داعش"، وغيرها و إنما يعارض الجهاد الذى الذى سطر أبطال الإسلام بطولاته مع التزامهم بأخلاقه الواردة فى شريعتهم فى وقت لم يكن يتصور الآخرون أن كلمتى الاخلاق و الحرب يمكن أن يجتمعا فى سياق واحد
وإنما يريد الغربُ: أن يُفْقِدَ الأمة قدرتها على إيجاد "صلاح الدين"، و"محمد كريم" مرة أخرى.
إنهم يريدون: عالمًا إسلاميًّا ممزقًا يلعبون فيه على وتر الخلافات.
ويريدون: شعوبًا مستكينة لا تعرف الجهاد حتى ينزلون بساحاتهم متى شاءوا، ويرحلون عنها متى شاءوا.
يريدون: مِن الرموز الإسلامية ما أراده "نابليون" مِن "محمد كريم"؛ فلما لم ينله قتله، وقد ناله من غيره ممَن رضوا أن يكونوا في عضوية ديوان أنشأه من علماء ووجهاء في القاهرة، ورغم أنهم كانوا مهابين ا قبل أن يسقطوا تلك السقطة، فلما سقطوها سقطوا في أعين الناس وفي أعين بونابرت، فكانت واسطتهم في ثورة القاهرة الأولى هي والعدم سواء؛ لم يأبه لها أي مِن الطرفين.
ومِن ثَمَّ يريدُ الغربُ: المذاهبَ التي تغلو في الرجال -مِن الأموات والأحياء- مِن الشيعة وغلاة الصوفية؛ لأنهم بغلوهم في الأموات يقدِّمون دليلًا على الادِّعاء الكاذب أن دِين الإسلام كغيره من الأديان التي هجرها أصحابها؛ لما فيها مِن خرافةٍ.
وبغلوهم في الأحياء يضمنون أن القضية في بضعة أشخاص إذا أمكن إغواؤهم أو حتى خداعهم تتم السيطرة على الجميع، وبمثل هذا سيطر الأمريكيون على العراق بعد هزيمة "صدام حسين"، ولكن أهل السُّنة يبقى دائمًا إخلاصهم لدين الله، ومحبتهم لعلمائهم مقيدة باستقامتهم على شرع الله، لا يؤثِّر فيهم زلة عالم أو غلو عابد، ومِن ثَمَّ عجزوا عن استثمار مَن استمالوه في أن تميل معه الأمة ككلٍّ في الماضي، وهم -بفضل الله- في الحاضر أعجز، ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون ) (يوسف:21) .
وهذا الذي يريده منا الغرب في بلادنا وفي عقر دارنا، يريد "الفرنسيون" مثله -وزيادة- مِن المسلمين فى فرنسا ، ومِن هنا جاء خطاب "ماكرون" الأخير.
وهو ما سنتناوله في المقالة القادمة -إن شاء الله-.