شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (1) فرنسا تاريخ من العداء مع المسلمين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

قال "لوبون": "تم طرد الصليبيين من القدس على يد صلاح الدين الأيوبي الشهير؛ وذلك أن صلاح الدين دخل سوريا بعد أن أصبحت مصر وجزيرة العرب والعراق قبضته، وأنه غلب ملك القدس الأسيف "غِي دولوزينيان" وأسره، واسترد القدس في سنة 1187م، ولم يشأ السلطان صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش، فيبيد النصارى على بكرة أبيهم؛ فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم، مانعًا سلب شيء منهم". وحكى غيرُه صورًا من التسامح أبلغ وأوسع من هذا، وفيما ذكر لوبون كفاية لمن أراد العِبْرَة.

فرنسا ترسل حملتها على مصر لوأد صحوة القرن الثامن عشر الإسلامية ولتنهب مكتباتها العلمية:

في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي عندما رمتنا فرنسا بقائدها العسكري الأبرز "نابليون بونابرت"، والذي نصبته الثورة الفرنسية لاحقًا إمبراطورًا على فرنسا في حملة عُرفت: بـ"الحملة الفرنسية على مصر"، وهي حملة تختلف عن حملات الاحتلال الأوروبي لبلاد المسلمين، والتي جاءت بعد هذا التاريخ بنحو قرنٍ من الزمان، ولكنها كانت حملة غرضها الأصلي تثبيت بلاد المسلمين على حالة الضعف التي كانت قد ألَمَّت بها، ووأد "الصحوة الإسلامية" التي وُجدت آنذاك، مع "نهب الكتب"؛ كل الكتب المتعلقة بعلوم الدِّين، والمتعلقة بعلوم الدنيا.

ونهب الكتب قبل زمن الطباعة أمرٌ في غاية الخطورة والعدوانية؛ لا سيما في فترةٍ غفوةٍ؛ لأن نهب الكتب في هذه الحالة يعني الحيلولة بين هذه الأمة الإسلامية وبين علومها؛ لقطع طريق نهضتها، في حين أخذت هذه الكتب إلى حيث أكبَّ عليها العلماء الفرنسيون.

وللعلم: وقت الحملة الفرنسية على مصر لم تكن أوروبا متقدمة على مصر عسكريًّا من ناحية الكيف، وإن كانت متقدمة مِن حيث الكم؛ لكون جيوش مصر آنذاك لم تكن إلا حاميات لحفظ الأمن والتجارة، وأما التقدم النوعي الأوروبي فحدث بعد الحملة الفرنسية على مصر.

بل يمكن القول: إن الفروق التقنية بين المسلمين والأوروبيين لم تصل إلى حدٍّ مؤثِّر إلا بعد الحرب العالمية الأولى، وهذا التقدم الأوروبي اعتمد في العصور الوسطى على جامعات الأندلس، وفي العصر الحديث على ما نهبته الحملة الفرنسية من مكتبات القاهرة العامة والخاصة.

"محمد كريم" ملحمة مِن ملاحم الجهاد في مقاومة الحملة الفرنسية:

عندما خرج "نابليون" بحملته خشيت إنجلترا من حجم هذه الحملة، وأن تكون في سبيلها للسيطرة على مركزٍ مهمٍ في طريق الهند المتنازَع عليه بينهما؛ فخرج "نلسون" يجوب البحر المتوسط بحثًا عن سفن "نابليون"، وغلب على ظنه أنه متجه إلى مصر فسبق إليها ورسا بسفنه، وأرسل يطلب مقابلة حاكم الإسكندرية "الشيخ محمد كريم"، وطلب منه السماح لجنوده بالنزول إلى الإسكندرية ليدافعوا عنها أمام الأسطول الفرنسي المنتظر وصوله فرفض.

جاء "نابليون" إلى الإسكندرية ومعه معلومات دقيقة أمدَّه بها المستشرقون الذين كانوا يقومون بدورٍ مزدوجٍ في الدراسة العميقة للثقافة الإسلامية، والجمع الاستخباراتي.

كان "نابليون" يعلم أن حامية الإسكندرية ليس فيها إلا بضعة مدافع متهالكة، وعدد محدود من المماليك، وبالتالي كان نابليون يتوقع استسلامها بمجرد أن ترى صواري سفنه وهي ما زالت بعدُ في عُرض البحر، ولكن الشيخ "محمد كريم" كان له رأي آخر، فقاد مقاومة شرسة بتلك المدافع المتهالكة، وأرهق قوات نابليون أيما إرهاق!

وفي النهاية: غلبت الكثرة الشجاعة، ووقع الشيخ الجليل "محمد كريم" في أسر نابليون؛ فأطلق سراحه وأبقاه حاكمًا على الإسكندرية طمعًا في استمالته (وهذا السلوك الفرنسي القديم في محاولة اتخاذ أذرع إسلامية تتحدث بلسانه وتدعو إلى ما يريد؛ كان وما زال سبيلهم!)، ووضع معه كليبر حاكمًا عسكريًّا، ورحل إلى القاهرة ليفاجأ بأن كليبر قد أرسل إليه أن محمد كريم مستمرٌ في إعداد المجاهدين، وتنظيم أعمال مقاومة الحملة الفرنسية، فأرسل الى نابليون في القاهرة ليحاكمه (لم يكن مصطلح الإرهاب هو المفضَّل لدى القوم حينها كتهمةٍ لكلِّ مَن يقاوِم احتلالهم لبلاد المسلمين، ولكن اتهموه صراحة بمقاومتهم) وحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص، ونُفذ الحُكم ظهرًا في ميدان القلعة.

سلوك الحملة الفرنسية على مصر صورة طبق الأصل من الحملات الصليبية:

يحكي لنا "الجبرتي" ردَّ فعل نابليون وجنوده على ثورة القاهرة الأولى بعد ما نفذت ذخيرة المجاهدين (وراجع ما ذكرناه مِن أن تفوق الفرنجة في ذلك الوقت كان كميًّا وليس نوعيًّا، وأنه كان راجعًا في المقام الأول إلى إهمال المماليك والعثمانيين على حدٍّ سواء لمصالح بلاد المسلمين، وإلى الله المشتكى).

قال الجبرتي -رحمه الله-: "وبعد هجعة من الليل دخل الإفرنج المدينة كالسيل، ومروا في الأزقة والشوارع لا يجدون لهم ممانع كأنهم الشياطين أو جند إبليس، وهدموا ما وجدوه من المتاريس، ودخل طائفة من باب البرقية ومشوا إلى الغورية وكروا ورجعوا وترددوا ما هجعوا، وعلموا باليقين أن لا دافع لهم ولا كمين، وتراسلوا إرسالًا ركبانًا ورِجالًا، ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالأروقة والحارات... ".

وكلامه بعدها فيه مزيد مِن التفاصيل عن جرائم السَّرِقَة والنهب والقتل للمارة العزل حتى فيمَن لم يعرف أنه شارك في مقاومتهم.

احتلال بلاد المغرب العربي في أوائل القرن التاسع عشر ثم احتلال سوريا ولبنان في أوائل القرن العشرين ضمن تقسيم التركة العثمانية بينها وبين إنجلترا في اتفاقية "سايكس - بيكو":

بعد فشل حملتها على مصر وتزامن هذا مع اندلاع الثورة الفرنسية، لم يتغير الوجه الاستعماري القبيح لفرنسا -بعد ثورة زعموا أنها مَن نشرت مشاعل الحرية في العالم!- فتم احتلال الجزائر سنة 1830م، ومِن بعدها: تونس سنة 1881م، ثم جيبوتي 1884م، ثم المغرب 1912م، ثم سوريا ولبنان بمقتضى اتفاقية العار "سايكس - بيكو" سنة 1920م.

الصفحة السابقة الصفحة التالية