"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (2) خطاب "ماكرون" بين الانتهازية الانتخابية والحقد الموروث
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تعرضنا في المقالة السابقة لصورٍ فجة مِن العداء الفرنسي للإسلام عبْر عصورها التاريخية المختلفة، وبعد تأسيس الأمم المتحدة؛ ففرنسا بصفتها عضوًا فيها "بل مِن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن" تزعم أنها أنها دولة حديثة تقف على مسافةٍ واحدةٍ مِن جميع مواطنيها.
وكل هذه الدول تتبنى العالمانية بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وهم يزعمون أن العالمانية هي أن تقف الدولة على مسافةٍ واحدةٍ مِن جميع الأديان دون أن تعادي أيًّا منها، ولكن عند التأمل في حال كثيرٍ منها "ومنها فرنسا"؛ تجد أنه فيما يتعلق بعلاقتهم بالإسلام لا يكاد يوجد فَرْقٌ بين "فرنسا الحديثة - وفرنسا البابوية - وفرنسا الاستعمارية"، وقد تجلَّى هذا في خطاب "ماكرون" الأخير، وفي الأحداث التي تلته، والإجراءات التي اُتخذت أثناء ذلك؛ مما يستدعي مِن جميع المسلمين وقفة مع هذا العُدوان الفرنسي الحديث؛ حتى لا تكون المزايدة على الإسلام والمسلمين هي أسهل طريق تتنافس به الدول على زعامة الغرب، بل ويتنافس فيه المُرشَّحون داخل الدولة الواحدة؛ لكي يداعبوا به عواطف "الموتورين المتطرفين"، وما أكثرهم حينما يتعلق الأمر بالإسلام!
فرنسا تريد فرض العالمانية بـ"الحديد والنار"، كما حاولت نشر مذهبها الديني من قبل:
اختار الغربُ العالمانيةَ مع السماح بتواجد الدِّين في فراغاتٍ محسوبةٍ بدقةٍ لا تتعارض مع العالمانية، وتتفاوت هذه المساحة من ثقافةٍ إلى أخرى، لكن الذي يزعج الغرب أن الإسلام بحكم شموليته وبحكم اليقين الجازم لدى المسلمين بأنه مِن عند الله -لم تصنعه أو تحرِّفه قرارات بشرية، أو نزعات فلسفية-؛ فمِن ثَمَّ فإن المسلم غير قابل لأن يكون عالمانيًّا، وعندما يعيش المسلمون في دولة عالمانية يحاولون بشتى الطرق حماية أنفسهم مِن الفوضى الدينية والأخلاقية التي تحمي العالمانية أصحابها باعتبارها خيارًا لبعض المواطنين يجب حمايته!
وكثيرٌ مِن هذه الدول تفكر بعقليةٍ شموليةٍ عجيبةٍ، وتشعر بأن وجودها كأمة معرَّض للخطر لمجرد وجود حضاراتٍ مجاورةٍ تبني نفسها وَفْق ثوابتها المناهضة لكل طبعات الحضارة الأوربية؛ سواء العصر اليوناني أو الروماني أو الإفرنجي والسكسوني، وانتهاءً بالعصر الحديث.
ويزداد القلق جدًّا حينما يتواجد داخل هذه البلاد مواطنون لهم قناعاتهم الخاصة؛ فالفكر الليبرالي الذي يقول إنه جاء ليحرر الناس مِن سلطة الدِّين والتقليد، أصبح دينًا جديدًا، وبتقاليد أكثر صرامة، ولا مانع عنده مِن فرضها بقوة السلاح، والثورة الفرنسية نفسها شاهدة بذلك، ولكن الساسة غالبًا ما يختارون عبارات دبلوماسية للتعبير عن هذه المعاني؛ إلا أن الرئيس الفرنسي "ماكرون" في خطابه الأخير قد تخلَّى عن الدبلوماسية، وبَدَا مرتديًا "معطف أروبان" أو "بدلة بونابرت"، وبدا الأمر أن الحسابات الانتخابية تتدخل لنقل بعض ما يدور في الصدر إلى الألسنة طلبًا للرفعة عند متطرفي قومه ( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) (آل عمران:118) .
ورغم الأحداث المؤسفة التي تلت هذا الخطاب، والتي يتضح تمامًا أنها نتيجة مباشرة له، وبدلًا مِن أن يعود الرئيس الفرنسي إلى رُشده؛ إذا به يواصِل لعبة المقامرة إلى نهايتها.
والخطاب والأحداث التي تلته تحتاج إلى مساحةٍ كبيرةٍ لمناقشة كلٍّ منها؛ ولذلك نجمل التعليق عليها في نقاطٍ مختصرةٍ -ونسأل الله أن ييسر بمعالجةٍ تفصيليةٍ لها -بإذن الله-:
1- كل دعاوى فرنسا عن حرية الفكر وعن الوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأديان تتهاوى أمام قانون عجيب، يجرِّم التعرض بالبحث التاريخي للعدد الحقيقي لقتلى اليهود على يد "هتلر"!
2- ومِن هنا يتبيَّن أن دَعاوَى فرنسا أن السماح بالسخرية من محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، بل تمجيد الشخص الذي عَرَض على تلامذته في الفصل رسومًا مسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، هو مِن قبيل تشجيع حرية الرأي دعاوى باطلة؛ فإن تلك الحرية يقيدونها وَفْق أهوائهم ورغباتهم، ولا يطلقونها إلا عندما يأمنون جانب مَن يسيئون إليه.
3- ونريد أن نذكِّرَ "ماكرون" أنه في الوقت الذي كان القتال فيه على أشده في أوروبا بصفةٍ عامةٍ، وبلاد الإفرنجة بصفةٍ خاصةٍ مِن أجل الانتصار لخلافاتٍ مذهبيةٍ داخل الدِّين الواحد، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستقبل وفدًا من النصارى وينزلهم في مسجده، ويسمع منهم اعتراضات على رسالته وتشكيك في نبوته -صلى الله عليه وسلم-، ولكنها لما خرجت مخرج البحث والمناظرة جادلهم -صلى الله عليه وسلم- بالتي هي أحسن، ورد شبهاتهم وأكرمهم في إقامتهم وفي رحيلهم؛ فَفَرْقٌ بيْن السبِّ والشتم وبين الجدال والمناظرة، والمسلمون عبر تاريخهم هم مَن يسعون إلى إقامة الحجة على كل البشر، ومناظرة كل مَن يطلب المناظرة.
4- مِن الناحية السياسية ووَفْق معطيات الدولة الحديثة التي يزعمون الدفاع عنها؛ فإن الرئيس الفرنسي "ماكرون" شريكٌ في كل الأحداث المؤسفة التي تلت خطابه المشئوم، بما تضمن مِن تحريضٍ صريحٍ على مسلمي فرنسا، وما تضمنه مِن عزم الدولة ذاتها على التعامل مع المسلمين بقوانين استثنائية جائرة، في حين أن عددَ المسلمين الفرنسيين يبلغ نحو خمسة ملايين فرنسي يشاركون في صنع حاضر فرنسا في كل المجالات التقنية والعلمية، بل والرياضية، في الوقت الذي خرج فيه "الرئيس الفرنسي" ليحمِّلهم أخطاء داعش! (مع أنه لو أنصف لحمَّل الغرب أخطاء "داعش"؛ وإلا فقوام داعش الرئيسي مكون من مسلمين أوروبيين مُنعوا مِن التواصل مع منابع المنهج الإسلامي الوسطي وسُهِّل لهم السفر إلى منطقة الصراعات في العراق وسوريا، ومُنحوا منابر إعلامية وإمكانات هوليودية في إخراج مقاطعهم المرئية، وكل هذا تُسأل عنه الدول التي تحرس مياه البحر المتوسط، وسماء العراق وسوريا؛ فأي ذنب لمسلمي فرنسا في هذا؟!).