شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"ماكرون" على خطى "أروبان" و"بونابرت" (2) خطاب "ماكرون" بين الانتهازية الانتخابية والحقد الموروث

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

5- كما أنه استنكر عليهم حماية أنفسهم مِن أنماطٍ سلوكيةٍ سائدةٍ تخالِف دينهم، وهنا لم تقف الدولة الفرنسية موقف المحايد بين مَن يريدون ارتداء المايوه (كمثالٍ) وبين مَن لا يريد ذلك؛ بغض النظر عن سبب رفضه له كما تقتضي ذلك العالمانية التي يتشدق بها، ولكنه وقف موقف قوم لوط حينما قالوا: ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (النمل:56) .

6- لقد كان لخطاب ماكرون فعل خطاب سلفه "أروبان" الذي أطلق نيران الحقد في آلافٍ مؤلفةٍ مِن الأوروبيين ضد الإسلام؛ لتنطلق واحدة مِن أعنف وأكثر حروب التاريخ وحشية -الحروب الصليبية-، وكذلك بعد خطاب "ماكرون" بادَر مدرسٌ فرنسي بنشر رسوم مسيئة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمام طلابه.

7- نَشَر ولي أمر طالبة مسلمة في ذلك الفصل استغاثة مِن تأذي ابنته مِن سبِّ رسولها في فصلها، وطالب بحملةٍ لفصل هذا المدرِّس، وهذه وسيلة قانونية لرفع شكوى في أمرٍ له علاقة بالدِّين؛ مما يكسبه حساسية خاصة، وله علاقة بطفلةٍ تمر بحالةٍ نفسيةٍ سيئةٍ مِن جرِّاء إجبارها على مشاهدة إساءة لمَن تحبه وتعظمه في حصة غير مخصصة لهذا الغرض، ولا هي جزءٌ مِن المنهج، وهذا مما يزيد جدًّا مِن درجة خطورة الأمر عند القوم لو كان في غير هذه القضية.

ولك أن تتخيل لو كان هذا المدرِّس مسلمًا أو حتى نصرانيًّا محافظًا، وأقحم في درسه تحذيرًا -مجرد تحذير- عن الشذوذ، وتسبب هذا في أزمةٍ نفسيةٍ لأحد هذه الكائنات الممسوخة؛ كيف كان سيكون التصرف الفرنسي؟! ولكن في حالتنا أعرضتِ الدولة الفرنسية تمامًا عن هذه الاستغاثة!

8- تم ذبح هذا المدرس، وبالطبع فليست فرنسا وحدها هي مَن تمنع مِن أُسيء إليه أن يَتولى عقابَ المعتدي بنفسه، ولكن المشكلة أن فرنسا ممثَّلة في رئيسها اعتبرتْ هذا المدرِّس الذي اعْتَدَى على براءة تلامذته، واستغل نفوذه كمدرسٍ في إيذائهم المعنوي، وادَّعى بحثًا ومناظرة في صورة سبٍّ وشتمٍ، وبعيد عمَن يحسن أن يناظره لو رغب في المناظرة؛ ومع هذا كله فرئيس فرنسا اعتبره خيرَ ممثِّلٍ لوجه الدولة الفرنسية! زاعما في ذات الوقت أن المدرِّس كان يحترم الدِّين الإسلامي!

ومِن هنا نعلم: ماذا يعني الغرب حينما يتحدث عن احترامه هو لديننا، وأما حين يلزمنا باحترام القاذورات التي يحميها؛ فيحرم أن يفهم مِن كلامك ولو ضمنًا الاعتراض أو الانتقاص أو... مِن حقوق مَن يختارون الرذيلة بكل صورها!

9- قامت الشرطة بقتل شاب مسلم اشتبهت في كونه هو قاتل المدرِّس، ومِن الناحية القانونية: فإن الشرطة لا يجوز لها أن تنفِّذ حكمًا في متهمٍ حتى في حالة التلبُّس؛ فكيف والأمر مجرد اشتباه مهما بدا الاشتباه قويًّا؟!

وبعد قتل الشرطة لذلك الشاب الذي مِن المحتمل ألا يكون قد فعل شيئًا أصلًا؛ صار لزامًا على العالَم الإسلامي أن يدين ويستنكر، ويشجب جريمة (لم تخضع بعدُ للتحقيق القانوني المنصف).

والسؤال: أين مسؤولية الدولة الحديثة عن تجفيف منابع الصراع، ومنع ما يسمونه خطاب الكراهية الذي زاد بدوره بعد هذه الواقعة؟!

10- انضمت إلى قافلة الوحوش الكاسرة نساءٌ مِن المفترض أن فطرتهن لا تتفق ونزعات العنف، فقمن بطعن سيدتين مسلمتين طعناتٍ وحشيةٍ بلا أدنى ذنب سوى أنهن محجبات كما يأمرهن دينهن، وبالطبع لم تضطر الشرطة الفرنسية إلى إطلاق النار على القاتلات، وسوف يخضعن لمحاكمةٍ تساق فيها الكثير من المبررات التي تؤدي إلى تخفيف الحكم.

11- وبدلًا مِن أن يتحلى "ماكرون" بروح رجل الدولة "فيبادِر إلى طمأنة الجميع أنهم سينالون حقوقهم بالقانون؛ ليجنِّب بلاده هذه الأخطار"؛ إذا به يسكب الزيت على النار، ويعلن التوسُّع في نشر الرسوم المسيئة!

وفي ظل هذه التصرفات -المدفوعة بإرثٍ استعماريٍّ قديمٍ، وبحقدٍ موروثٍ مِن حروبٍ صليبيةٍ أُججت هناك في بلاد الإفرنجة نارها؛ إلا أن الله قيَّض لها مَن أطفأها وردَّ قادتها يجرون أذيال الخيبة-، وفي أجواءٍ لا تخلو مِن انتهازيةٍ انتخابيةٍ ميكافيليةٍ، خَلَتِ الساحة مِن رجلٍ رشيدٍ ينصح "ماكرون" وفرنسا بأسرها ألا تلعب بالنار!

12- ثم إذا كانت فرنسا لكل الأسباب التي أشرنا إليها -أو لغيرها- مُصِرَّة على اللعب بالنار؛ فلماذا لا يتحرك العالَم الإسلامي دفاعًا عن دينه، ودفاعًا عن المسلمين الفرنسيين باعتبارهم أقلية دينية يُعلن رأس الدولة بنفسه اضطهادهم ومساومتهم على التنازل عن بعض شعائر دينهم في مقابل الحصول على الحدِّ الأدنى من حقوقهم؟!

13- وحده "الأزهر" وقف مرة تلو الأخرى أمام خطايا القيادة الفرنسية، وردَّ عليها كبرها وتطرفها، فبارك الله في الأزهر وفي شيخه "الدكتور أحمد الطيب".

14- وليعلم الجميع أن كل المؤسسات في كل بلاد المسلمين عليها أن تبذل قصارى جهدها، وأن تواكب الجهود الشعبية والمبادرات التي انطلقت في كل بلاد العالم الإسلامي ما بين مقاطعةٍ، ونشرٍ لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وردٍّ للشبهات المثارة حول الإسلام.

15- بالنسبة لمقاطعة منتجات الدول التي تتبنى كدولةٍ موقفًا داعمًا للإساءة إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو إلى القرآن أو للدين الإسلامي بصفةٍ عامةٍ، يجب أن تعلم الأمور الآتية:

- الأصل جواز البيع والشراء مع المشركين، وقد مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي

- يشرع لمَن وَجَد أن في الامتناع عن هذا المباح في الأصل، وسيلة لمنع نفعٍ عن عدوه أن يمتنع، ويشرع دعوة الغير إلى هذا، وقد امتنع ثمامة بن أثال -رضي الله عنه- عن بيع الحنطة لمشركي قريش، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان هذا قبل طلبهم وسؤالهم إياه -صلى الله عليه وسلم- بالله والرحم، أن يأمر ثمامة -رضي الله عنه- ببيع الحنطة لهم، ففعل -صلى الله عليه وسلم-.

- الأصل عدم وجوب المقاطعة؛ للأدلة التي تبيح البيع والشراء مع الكفار، وأما إذا كانت هناك حالة مِن المواجهة وستكون المقاطعة حاسمة فيها؛ فحينئذٍ يباح لأهل العلم -وبهذه القيود- أن يفتوا بوجوبها

الصفحة السابقة الصفحة التالية