قصة أصحاب الكهف (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • مع الدعاة
محنة الفتية مع قومهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الإشارة إلى فضل القصة باختصار، والتذكير بمنهج تناول القصة على نحو ما تقدم في الموعظة الأولى، من تقسيم القصة إلى أربعة مشاهد، نتناول كل مشهد في موعظة مستقلة، ونقف من خلاله وقفات متنوعة.
- المشهد الأول من القصة (محنة الفتية مع قومهم): قال -تعالى-: ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا . نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا . هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) (الكهف:12-15) .
- مجمل ما جاء في محنتهم مع قومهم: ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: "أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض. فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية -أي: يخرج إلى البراز، وهي الأرض الواسعة-، فكان أول مَن جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، وجاء الآخر، ولا يعرف واحدٌ منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان، فجعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه، خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون -والله يا قوم- إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم، إلا شيء؛ فليظهر كلُّ واحد منكم ما بأمره. فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه، فعرفتُ أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق كل شيء؛ السماوات والأرض وما بينهما. وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق، ودعوه إلى الله -عز وجل-؛ ولهذا أخبر -تعالى- عنهم بقوله ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ) و( لَنْ ) لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدًا؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا؛ ولهذا قال عنهم: ( لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا.
( هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ) أي: هلَّا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟! ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيُقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم، وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجَّلهم لينظروا في أمرهم، لعلهم يراجعون دينهم الذي كانوا عليه. وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه، والفرار بدينهم من الفتنة".
- هذا الجزء من القصة سيكون لنا معه ثلاث وقفات: (وقفة دعوية - ووقفة عقدية - ووقفة إيمانية).
الوقفة الدعوية: أهمية دور الشباب في نصرة الدين:
- الشباب أكثر قبولًا للحق، وأسرع استجابة من الشيوخ: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَقَدِمَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا؛ قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في دُخُولِهِمْ في الإسْلَامِ" (رواه البخاري) .
- الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار كانوا شبابًا: (أعمارهم في أول الإسلام - نبذة عن قصة إسلام عمرو بن الجموح ودور الشباب في ذلك) (1) .
- عمر الشباب مِن أخطر مراحل عمر الإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- أعظم ما تغتنم به فترة الشباب التزام الدِّين والعمل به والدعوة إليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ ... ) وذكر منهم: ( وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه... ) (متفق عليه) .
الوقفة العقدية: الإيمان يزيد وينقص:
- لقد زاد الله الفتية بعد إيمانهم إيمانًا وتوفيقًا، وهكذا أثر زيادة الإيمان في القلوب: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ).