قصة أصحاب الكهف (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • مع الدعاة
- زيادة الإيمان ونقصانه أصل في عقيدة أهل السُّنة: قال -تعالى-: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (فاطر:32) . (يحسُن بالخطيب أن يذكر مثالًا على أصناف المؤمنين الثلاثة، وتفاوت الإيمان بالشجرة بأحوالها الثلاثة: أصل شجرة - شجرة كاملة - شجرة كاملة ذات ثمر).
- أهل البدع من الخوارج والمرجئة جعلوا الإيمان كلٌّ لا يتجزأ ولا يتبعض؛ إما أن يَبقى كله وإما أن يزول كله؛ فالمرجئة يكفي عندهم مجرد الكلمة (لا إله إلا الله) ولا يضر معها ذنب، فإيمان أفجر رجل في الأمة عندهم كإيمان جبريل! فهدموا قضية الثواب والعقاب، وأخرجوا العمل من الإيمان، فلا فائدة في التنافس في الخيرات، فالكل عندهم مؤمنون مستوون في الإيمان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) (متفق عليه) .
- والخوارج وأضرابهم غلوا في اشتراط العمل لصحة الإيمان، فكفَّروا أهل الذنوب والكبائر: والله -تعالى- يقول: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) (الحجرات:9) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) قال أبو ذر: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ ) (متفق عليه) .
- تنبيه مهم جدًّا:
قد يظن البعض أن تناول هذه المسألة من الترف العلمي، ولكن المتابع للأحداث لا سيما بعد الثورات العربية يرى أثر الجهل بهذه المسألة في كثير من المتدينين والعوام، فقد تبنى كثيرٌ من المتدينين فكر التكفير، فتولدت التيارات الصدامية الدموية ضد المسلمين، وتبنى كثيرٌ من العوام فكر المرجئة في مقابلة الأولين، مما استثمره العلمانيون والمنافقون للهجوم على الدين من الجهتين؛ فشوهوا صورة الدين من جهة الصداميين بأنه يقتل ويفجِّر ويحرق، وحصروا الدين في بعض الممارسات الصوفية على أحسن الأحوال من جهة العوام! وإنا لله وإنا اليه راجعون.
الوقفة الإيمانية: التضحية والبذل لأجل الدِّين:
- لقد ضرب الفتية مثلًا رائعًا في البذل والتضحية لأجل الدِّين؛ فقد تركوا حياة القصور والأبدان المتنعمة، إيثارًا لحياة القلوب والأرواح، ولو كانت الأبدان متألمة: ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) (الكهف:10) .
- أصحاب العقيدة تهون عليهم القصور والدثور، إذا حالت بينهم وبين عقيدتهم وقضيتهم: ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) (يوسف:33) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما أدخلوه السجن وأغلقوا عليه الأبواب: "( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (الحديد:13) . وكان يقول: "ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري. إن قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة".
- أصحاب العقيدة ينظرون إلى تضحياتهم بالدنيا في سبيل الله، نظر مَن سقط مِن جيبه "قرش صاغ" وهو منطلق نحو هدفه؛ فهل يلتفت إليه؟! قال الإمام أحمد -رضي الله عنه-: "إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وصبرُ أيامٍ معدودة".
- إشارة مختصرة إلى تضحية الصحابيين الجليلين: مصعب بن عمير، وذي البجادين، بالحياة المتنعمة في سبيل الله، ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ).
فاللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان لفتيان بني سلمة بقيادة معاذ بن جبل، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، أثرًا عظيمًا في إسلام عمرو بن الجموح، وبعض سادات بني سلمة، قصة إسلام عمرو بن الجموح، وكيف مكر له الشباب لفضح عبادة الأصنام وإبطالها؛ مما كان سببًا عظيمًا في إسلامه.