الفساد (73) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ازدياد تدهور العدالة الاجتماعية (1-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالفقر هو حرمان مستمر ودائم، يفقد معه الفقير القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية له ولأسرته مِن غذاءٍ، وسكنٍ، وكساءٍ، وتعليمٍ، ورعاية صحية وعلاج، وهو حرمان يفقد المرء معه الإحساس بالأمان وتضعف قدرته على اتخاذ القرارات بما فيها القرارات الخاصة به وبأسرته، وهو حرمان يهدد بعدم القدرة على مواجهة الصدمات التي قد يتعرض المرء وأسرته لها.
والفقر مشكلة عالمية تعاني منها دول كثيرة: فهناك أكثر من 70 دولة -نحو ثلث دول العالم- تؤرقها ارتفاع نسبة الفقر الشديد (الفقر المدقع) فيها -والذي لا يجد فيه الفقير احتياجاته الأساسية من الطعام- والذي بلغ أكثر من ثلثي مليار فقير يمثلون نحو 10 % من سكان الأرض، بينما يمتد سقف الفقر المطلق -الذي لا يتوفر للفقير معه احتياجاته من الملبس والتعليم والعلاج ليشمل نحو 1.3 مليار فقير!
ولا يقتصر وجود الفقر على دول العالم الثالث فقط، بل هناك فقراء في العديد من الدول المتقدمة؛ فلا تخلو أمريكا والدول الأوروبية من الفقراء؛ هذا في الوقت الذي تمتلك فيه قلة مِن البشر الثروات الطائلة، (فقد زادت ثروات أغنى 500 من أكبر أغنياء العالم في عام 2019 م فقط بنحو 1.2 تريليون دولار لتصل جملة ثرواتهم إلى 5.9 تريليون دولار، وهذه الزيادة في عام 2019 م تكفي لتوفير دخل لمدة عام، لضعف عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع في كل أنحاء العالم، يعينهم على توفير احتياجاتهم الأساسية والضرورية من الغذاء لإنقاذهم مِن الجوع الذي يحصد أرواحَ أعدادٍ متزايدة منهم) (انظر:"الفقراء وعاصفة كورونا" عبد القادر شعيب.ط.كتاب الهلال - يونيو 2020م، ص 15 بتصرفٍ) .
لقد (صار الآن نحو 1% الأكثر ثراء في العالم لديهم من الثروة أكثر من ضعف ما يمتلكه وبحوزة جميع البشر الآخرين مجتمعين) (المصدر السابق، ص 43) ، وهذه صورة فظيعة من تدهور العدالة الاجتماعية في العالم.
(وبسبب ضخامة ظاهرة الفقر في العالم لا يزال -طبقًا لتقديرات دولية- يوجد طفل من كل ثلاثة أطفال في العالم يعاني سوء التغذية)، (ويوجد نحو 13 مليون طفل يموتون سنويًّا قبل إتمام اليوم الخامس لهم في الدنيا والحياة؛ وذلك بسبب نقص، بل سوء الرعاية الناجمة عن الفاقة التي تعيش فيها أسرهم، ولا يزال هناك مليار ونصف المليار شخص محرومون من مياه الشرب النقية والنظيفة) (المصدر السابق، ص29 بتصرفٍ) .
صناعة الفقر:
ولا تظن أن هذه الأعداد الهائلة من الفقراء والمعدمين أفقروا أنفسهم بأنفسهم، ولكن فقرهم على العموم صُنع ساسة ونتاج سياسات، فالفقر من صنع بشر بسياساتهم وقراراتهم ومواقفهم وانحيازاتهم غير العادلة.
فالفقر (ثمار صناعة مخططة وممنهجة، تورطت فيها دول وحكومات على مدار التاريخ، فأكثرالمناطق والدول في العالم التي تعاني الفقر وترتفع فيها نسبة الفقراء بين سكانها هي الدول التي تعرضت للاستعمار والاحتلال، واستنزاف ثرواتها وخيراتها مِن قِبَل الدول التي احتلتها، واستمرت تتعرض لاستنزاف ثرواتها بعد أن نالت استقلالها السياسي، فيما تم التعارف عليه بالاستعمار الجديد، أي: في ظل هيمنة اقتصادية لبعض الدول الكبرى اعتمدت على إبقاء هذه الدول الضعيفة اقتصاديًّا، وغير قادرة على الوفاء بالاحتياجات الأساسية لشعوبها، وحرصت على استمرار شروط غير منصفة للتجارة العالمية، وفَّرت الحماية السياسية للشركات متعددة الجنسيات التي تهيمن على حركة الاستثمار العالمي) (المصدر السابق، ص31) .
فصناعة الفقر (عملًا مؤسسيًّا وممنهجًا تقوم به بعض الدول التي اعتمدت في بناء قوتها واقتصادياتها على سرقة ثروات وخيرات غيرها من الدول والشعوب، ولذلك انقسم العالم ما بين دول متقدمة وأخرى ضعيفة تعاني الفقر، ولا تستطيع توفير الاحتياجات الأساسية لشعوبها) (المصدر السابق، ص31-32) .
والفقر أيضًا شاركت -وتشارك- في المسئولية عنه حكومات فاشلة أو فاسدة، حكومات غير جادة أو غير قادرة على مواجهة انتشار الفقر في بلادها، ورضيت أن تكون أداة في أيدي الدول الكبرى توجهها حسب مصالحها ومطامعها.
إن مشكلة الفقر مشكلة مزدوجة، فهي مشكلة عالمية من جهة، ومشكلة محلية من جهة أخرى، وعلاجها أيضًا يكون مزدوجًا، سواء في تواجد إرادة مكافحة الفقر والقضاء عليه أو في جدية وشمولية التنفيذ، ولا يغرنك ما تظهره بعض الدول الغنية والمنظمات العالمية من دعاوي محاربة الفقر وحماية الفقراء أو ما تقدمه من منح ومساعدات من وقت لآخر؛ فهذا كله لا يكفي ولا يشفي في علاج مشكلة الفقر بحدتها وشدتها وشموليتها، خاصة مع توفر أسباب صناعة الفقر، ومع استمرار الخضوع لطمع وجشع الأثرياء المتحكمين في الاقتصاد العالمي.
إن أسباب الفقر وازدياد الفقراء عامًا بعد عام متعددة، منها:
أسباب اقتصادية: مثل سوء الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، وتراجع وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وندرة -أو قلة- فرص العمل المتوفرة في الدولة.
وأسباب اجتماعية: مثل شيوع الظلم الاجتماعي والتفاوت الاجتماعي الشديد، وضعف آليات التكافل الاجتماعي، وعدم قيام الأثرياء -خاصة رجال الأعمال- بمسئولياتهم الاجتماعية، وكذلك سوء توزيع الدخل القومي، واحتكار قلة من السكان النسبة الأكبر من هذا الدخل.
وأسباب سياسية: أهمها الاستعمار الذي استنزف موارد دول عديدة، وهو ما استمر بأشكال جديدة بعد حصول هذه الدول على استقلالها السياسي، من خلال الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، ونظام تجارة عالمي منحاز لصالح الدول الغنية ضد الدول النامية.
وأيضًا: مثل الحروب التي بددت موارد العديد من الدول وعطلت تحقيقها تنمية اقتصادية ضرورية وجعلتها تنفق نسبة أكبر من مواردها على الأغراض العسكرية، وذات الشيء ينطبق على الإرهاب الذي يستنزف في مواجهته موارد ليست قليلة، وأيضًا محاولات تقويض كيانات الدول الوطنية التي انخرطت فيها أمريكا ودول أوروبية كما نشاهده الآن في العديد من الدول العربية، مثل: العراق، وسوريا، وليبيا.