الفساد (73) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وهكذا إذا كان جوهر الفقر هو الحرمان والعوز، فإن جوهر أسبابه هو الظلم وافتقار العدل داخل الدولة الواحدة، أو في العالم كله بين الدول، ولعل هذا ما اتفق عليه أغلب علماء الاقتصاد والاجتماع أيضًا) (المصدر السابق، ص24 - 25) .
أنواع الفقر:
يوجد نوعان من الفقر:
النوع الأول: هو الفقر المدقع (الفقر الشديد) الذي يعجز فيه الإنسان عن توفير الحد الأدنى من الغذاء، ويفتقد معه المستوى الآدمي من الحياة، وقد حدد البنك الدولي الدخل الذي يحتاجه الشخص (الفرد) الواحد سنويًّا؛ حتى لا يقع في أسر الفقر المدقع بنحو 600 دولار سنويًّا أي نحو 1.9 دولار يوميًّا.
النوع الثاني: هو الفقر المطلق -أو متعدد الأبعاد- الذي لا يتوفر فيه للإنسان الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، فلا يتوفر له مسكن ملائم أو علاج ضروري إذا مرض أو تعليم لأولاده أو مياه شرب نقية أو صرف صحي وكهرباء، وقد حدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مَن يعاني الفقر المطلق بمَن يقل دخله يوميًّا عن 2و3 دولار.
وهناك فقر الرفاهية يطلقه بعض الاقتصاديين على شرائح اجتماعية في المجتمعات الغربية التي لا يتوفر لها الاستفادة من المنجزات الحضارية الحديثة والمتطورة، وإن كانت تحظى بدخل يوفر لها الحد الأدنى أو المناسب من الغذاء، والمسكن الملائم المزود بخدمات المياه النقية، والصرف الصحي والكهرباء، وعندها القدرة على تعليم أولادهم، والقدرة على العلاج عند المرض، وغيرها من الخدمات (انظر المصدر السابق، ص25 - 26) .
وهناك لدى بعض الباحثين (فقر الدخل) ويريدون به الحرمان من الاحتياجات الضرورية للإنسان لشح الدخل، ويزداد هذا النوع من أنواع الفقر كلما زادت أسعار السلع الغذائية؛ بسبب الاحتكار، وهوامش الربح المرتفعة.
فشل المجتمع الدولي في مواجهة الفقر:
(رغم المساعدات التي قدمت للدول الأكثر فقرًا وعددها 42 دولة، وإسقاط قدر من ديونها؛ فإن ديون هذه الدول اتجهت للزيادة بدلًا من الانخفاض، حتى وصلت ديون إفريقيا جنوب الصحراء إلى 416 مليار دولار عام 2015م.
وكان سبب ذلك: أنها تلقت 162 مليار قروضًا ومساعدات وتحويلات، وفي المقابل خرجت منها -أو بالأصح نهبت منها- أكثر من 200 مليار دولار، تمثلت في خدمة وأعباء الديون وتحويلات أرباح الشركات متعددة الجنسيات، وأيضًا تكاليف التكيف مع تغيرات المناخ)، (وضاعت أو تبددت ما تلقته هذه الدول من مساعدات أو ما تم إسقاطه وإلغاؤه من ديونها الخارجية، وهكذا كان من الطبيعي أن يتمخض عن هذا زيادة الفقر في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهي الدول الأشد فقرًا في العالم، وبالتالي: حدوث تأخير أو تعطيل في مكافحة الفقر عالميًّا، وصعوبة الوفاء بتحقيق الهدف العالمي الذي تم التوافق عليه دوليًّا، وهو التخلص من كل الفقر المدقع في العالم بعد عشر سنوات من الآن -أي: عام 2030م-) (المصدر السابق، ص39 - 40) .
(بل إن هناك مَن يرى أن هذا التأخير أو التعطيل في مكافحة الفقر كان متعمدًا وممنهجًا؛ وذلك لأسبابٍ عدةٍ، أهمها:
أولًا : تقاعس الدول الغنية والمتقدمة عن تقديم العون والمساعدة للدول الفقيرة، وعدم الوفاء بالتزاماتها التي سبق أن تعهدت بها، والتي تقضي بتقديم 7و0 % من حجم ناتجها القومي مساعدات للدول الفقيرة.
وثانيًا: عدم وفاء الدول الغنية والمتقدمة بتعهداتها بإسقاط ديون الدول المثقلة بالديون والتي يبلغ عددها 42 دولة.
وثالثًا: فرض شروط للتجارة العالمية في إطار العولمة مجحفة بحق الدول الفقيرة ومنحازة للدول المتقدمة والغنية أدَّت دومًا إلى انخفاض أسعار المواد الأولية التي تعتمد الدول الفقيرة عليها في جميع مواردها، وفي المقابل: استنزاف الشركات متعددة الجنسيات موارد الدول الفقيرة مقابل استثماراتها فيها.
ورابعًا: تخلي صاحبة ومخططة العولمة -وهي أمريكا- عنها واستبدالها بما يمكن تسميته بالترامبية، وهي السياسة التي نبذت حرية التجارة الدولية واستبدلتها بسياسة العقوبات الاقتصادية، وفرض رسوم جمركية مغال فيها على منتجات الغير، سواء من الخصوم أو الحلفاء، في ظل الشعار الذي رفعه، وتبنى تنفيذه الرئيس الأمريكي ترامب وهو: (أمريكا أولًا).
وخامسًا: الصدمات والأزمات الاقتصادية العالمية، وآخرها أزمة الركود التي أصابت الاقتصاد العالمي الناجم عن جائحة كورونا التي هاجمت عالمنا، ولا يختلف أحدٌ من الخبراء الاقتصاديين أنها ستكون شديدة الوطأة على اقتصاديات كل دول العالم.
ولعلنا نتذكر: أن أزمة 2008م التي عانى منها الاقتصاد العالمي أدت إلى تخفيض معدل النمو الاقتصادي لمصر وقتها من 5و7 % إلى 4و5 % لنحو ثلاثة أعوام متتالية، وهذه الأزمة الاقتصادية العالمية تعد في تقدير هؤلاء الخبراء الاقتصاديين أشد بكثير من أزمة 2008 م؛ لأنها ناجمة عن إغلاق اقتصادي اضطرت له دول العالم.
وسادسًا: كان هناك أيضًا تكتيك إغراق الدول الناجية من الدول النامية بالديون الخارجية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوعها لهيمنة التنمية الأمريكية التي تدير الشركات الضخمة والبنوك الكبيرة، الذين وصفهم واحد منهم هو (جون بيركنز) بأنهم قراصنة اقتصاديون في كتاب صادم حافل بالمعلومات تمت ترجمته إلى العربية بعنوان: (اعترافات قرصان اقتصادي)، ومهمة هؤلاء القراصنة إعداد دراسات خاطئة وغير سليمة يتم على أساسها قيام المنظمات المالية بتقديم قروض للدول النامية لتمويل مشروعات للبنية الأساسية ومحطات الكهرباء، وطرق وموانئ ومطارات بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأمريكية بتنفيذها، وبذلك لا تغادر الأموال بهذه الطريقة الولايات المتحدة، وإنما تتحول مثلًا من حسابات بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أوسان فرانسيسكو أو هيوستن.