شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

السلفيون والاجتماع

محمود عبد الحميد • المنهج السلفي

إن من أجل مقاصد الإسلام: توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم على غاية واحدة، وهي: إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم من أجل العمل لهذه الغاية، وما قيمة هذه الأمة التي تملأ شرق الأرض وغربها إذا كانت أوزاعًا متفرقة، وأفرادًا مختلفين وبلادًا متفرقة، وأجناسًا مختلفة، وأعرافًا متباينة، وطبقات عصبية وحميات جاهلية؟! إن قوتها -حينئذ- تنعكس وبالاً عليها وتصيب غضبًا وسخطًا من الله -سبحانه وتعالى- عليها، فتقتتل فيما بينها، وتفرق صفوفها، وتبدد طاقاتها، وتضيع ثرواتها، كما نرى في حال أمتنا اليوم، ولا توجد أمة من الأمم دعيت إلى الوحدة والائتلاف، ونهيت عن الفرقة والاختلاف مثل الأمة الإسلامية؛ لأن النظام الاجتماعي لا يكمل إلا في ظل الوفاق والوئام، وحال الناس لا تصلح إلا مع التعاطف والتآلف، ويدرك العقلاء أن القوة لا تكون إلا مع الوحدة، وأن الذلة تكمن في الفرقة، كما قال الشاعر:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا وإذا افترقن تكسرت آحادًا

والعرب تقول: "المرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه".

فتبين من هذا أن وحدة صف الأمة واجتماعها على الحق من أهم أسباب النصر، أما إذا كانت الأمة مفرقة ومشتتة، فإن النصر لن يكون حليفها؛ ولذلك لما أراد صلاح الدين -رحمه الله- قتال الصليبيين وإخراجهم من "بيت المقدس"؛ قام بتوحيد أقوى بلدان المسلمين في ذلك الوقت، وهي: مصر والشام، فلما وحدها؛ نهض لقتال الصليبيين، فنصره الله عليهم.

وكذلك فإن تفرق المسلمين وتشتت أحوالهم من أسباب الهزيمة الماحقة، فإن الفرقة والاختلاف كانت من أهم أسباب سقوط الأندلس، ولذلك؛ نهانا الله -سبحانه وتعالى- أن نتفرق ونختلف كما تفرقت واختلفت الأمم السابقة، فأهلكها الله -سبحانه وتعالى-: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) (آل عمران:105) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) (الأنعام:159) ، واعلم أن الاجتماع في الدين لا يمكن أن يتحقق إلا بالاعتصام بالكتاب الحكيم، والأخذ بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين، والسير على صراط الصحابة والتابعين من خير القرون.

فإن هذه الأمور الثلاثة يحصل بها الاجتماع في الدين، ومن غيرها لا يمكن أن يحصل الاجتماع، بل غيرها هو الفرقة التي نهى الله -سبحانه وتعالى- عنها، وحذر منها رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وقد أمر -سبحانه- بالاجتماع في الدين في آيات كثيرة، قال -تعالى-: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (الشورى:13) .

هذا هو الذي شرعه الله لهذه الأمة، كما أنه أمر به من تقدم من الرسل، وأمره للرسل أمر للأمم، وإقامة الدين لا تتحقق إلا بالأخذ بالكتاب الحكيم وسنة سيد المرسلين، فالواجب على الأمة -إذا أرادت الاجتماع- أن تنبذ ما عدا هذين الوحيين: كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما أجمع عليه العلماء المجتهدون بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن ما أجمع عليه العلماء لابد أن يكون له دليل في الكتاب والسنة.

والله -عز وجل- يقول في كتابه: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) ، فأمر الله -سبحانه- باتباع سبيل المؤمنين من العلماء العاملين، وقال -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران:103) وحبله هو: شرعه الذي أوحاه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالأمر بالاجتماع ليس مجرد الاتفاق على أي وجه كان، كما يدعو إليه بعض الذين قل نصيبهم من العلم، بل لابد من الاجتماع على الحق، فالحق هو الطريق الموصل إلى الاجتماع.

واعلم أن من أعظم أسباب الفرقة والاختلاف: الإعراض عن الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح -رضي الله عنهم-، فبقدر إعراضهم عن الكتاب والسنة؛ يحصل بينهم من الفرقة والاختلاف؛ لأنهم إذا أعرضوا عن الكتاب والسنة فإلى ماذا يرجعون؟ إلى آرائهم، وأهوائهم، وأذواقهم، وإلى ما يشتهون.. وهذا مما لا يتفق عليه الناس، بل يختلفون فيه اختلافًًا عظيمًا.

فاختلاف الناس في آرائهم أشد من اختلافهم في لغاتهم وأجناسهم وأعرافهم؛ ولذلك فإن المرجع الذي يجتمع عليه الناس ولا يتفرقون فيه هو الكتاب والسنة، وعلى ذلك فمن دعا إليهما؛ فهو يدعو إلى الاجتماع، ومن دعا إلى غيرهما؛ فهو يدعو إلى الافتراق.

وعلى هذا؛ فإن من أهم أسباب الاجتماع: العلم بالكتاب والسنة، وهدي السلف، ونبذ البدع ومحدثات الأمور.

من أهم أسباب الفرقة: الجهل؛ لأن الجهال إذا تكلموا؛ اتسعت رقعة الخلاف؛ ولأن الجهل يولد معاداة الحق، ويولد البدع والمعاصي، والبغي، والحسد، والكبر، وكل هذا يؤدي إلى زيادة الفرقة ووقوع الاختلاف، ومما يزيد الاجتماع مراعاة حقوق المسلمين والتآخي بينهم، وتحقيق الحب في الله، وكونهم في عون بعضهم البعض، ومناصرتهم بعضهم، وتفقدهم أحوال بعضهم.

ولا يمكن أن تقوم وحدة للمسلمين ما لم تجمعهم عقيدة واحدة؛ فالعقيدة تشكل أساسًا مهمًا في البناء الفردي والاجتماعي، وهي القاعدة التي تقوم عليها الأعمال والعلاقات والأخلاق، فإذا كانت العقيدة مشوهة أو مزورة، فإن البناء لا يستقيم ولا يستطيع أن يواجه الأعاصير والفتن حتى ينهار.

الصفحة السابقة الصفحة التالية