السلفيون والاجتماع
محمود عبد الحميد • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا ريب أن توحيد الصفوف واجتماع الكلمة هما الدِعامة الوطيدة لبقاء الأمة ودوام دولتها، ونجاح رسالتها، فإن توحيد الصفوف سر المحافظة على الإسلام والإبقاء على مقوماته، والضمان للقاء الله بوجه متهلل وصفحة مشرقة، والإسلام قد جعل العمل الواحد في صورته وحقيقته مختلفًا في الأجر حين يؤديه الإنسان منفردًا، وحين يؤديه مع آخرين، فصلاة الجماعة تضعف على صلاة الفرد بضعًا وعشرين درجة، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (الصف:4) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) (رواه أبو داود وحسنه الألباني) ، والمسلمون بوحدتهم واجتماعهم كانوا قوة جبارة، وكان لهم صولة وسلطان قاهر، وكانوا حصنًا منيعًا، وقد حدثنا التاريخ أن المسلمين بوحدتهم وتجمع صفوفهم استطاعوا أن يدكوا عروش القياصرة والأكاسرة، وأن يطرحوا بتيجان الجبابرة.
قال -تعالى-: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، ولذلك؛ أمر الله بالوحدة والاجتماع، ونهى عن الفرقة، فقال -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) (آل عمران:103) ، وقال -تعالى-: ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ) (الأنفال:46) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاَصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ) (رواه الترمذي وصححه الألباني) .
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) "ج1/390": "وقوله: ( وَلا تَفَرَّقُوا ) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت أحاديث متعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع، كما في "صحيح مسلم" من حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا، يَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ )، وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة -أيضًا-، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف".
وقال الطبري -رحمه الله- في تفسيره "ج4/32": " ( وَلا تَفَرَّقُوا ) : ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله والانتهاء إلى أمره، كما حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة: ( وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) أن الله -عز وجل- كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم -إن استطعتم-، ولا قوة إلا بالله".
وقال الطبري -رحمه الله- في تفسيره "ج10/15": " ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) يقول: "ولا تختلفوا؛ فتفرقوا، وتختلف قلوبكم، ( فَتَفْشَلُوا )، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ، وهذا مثل يقال للرجل إذا كان مقبلاً عليه ما يحبه ويسر به: الريح مقبلة عليه، يعني بذلك ما يحبه، وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم، فتضعفوا، ويدخلكم الوهن والخلل.
وقال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) قال الريح: النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدو، فإذا كان ذلك؛ لم يكن لهم قوام" ا.هـ.
تضمنت هذه الآية النهي عن الاختلاف والتنازع، وبينت أن ذلك يؤدي إلى الفشل وإلى ذهاب الدولة بقوله: ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) والمقصود: ذهاب ريح النصر التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ، أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ؛ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ؛ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ ) (رواه الترمذي وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْبَرَكَةُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الْجَمَاعَةِ، وَالثَّرِيدِ، وَالسَّحُورِ ) (رواه الطبراني وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ الله شُكْرٌ، وَتَرْكُها كُفْرٌ، ومَنْ لاَ يَشْكُرُ القليلَ؛ لا يَشْكُرُ الكَثِيرَ، ومَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ؛ لا يَشْكُرُ الله، والجَماعَةُ بَرَكَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ ) (رواه البيهقي وحسنه الألباني) .
