مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (52) آيات من القرآن في ذم القسوة (30)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الحديد:17) .
لما كانت الأخلاق الحَسَنة الجميلة دليلًا على كمال الحياة، كان الرُّسُل الكِرَام -صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن- أعظم الناس خُلُقًا؛ لأنهم أعظم الخلق إيمانًا وأبعدهم عن القسوة، ثم كان المؤمنون بعدهم تتفاضل درجاتهم في الأخلاق على قَدْر درجات إيمانهم.
والدعاة إلى الله يلزمهم التزام أحسن الأخلاق؛ اقتداءً بالرسل الكرام -صلوات الله وسلامه عليهم- وخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون ذلك أقرب إلى تحقيق إيمانهم، وأقرب إلى قبول دعوتهم؛ فمهما قويت الحجة وصح القول؛ فإنه لا يؤثِّر إلا مع حسن الخلق وكماله وصلاح العمل.
وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في استفتاح الصلاة: ( وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، ) (رواه مسلم) ، وتكرار هذا الدعاء مِن أعظم أسباب التوفيق لحُسن الخلق.
وإليك أيها القارئ الكريم جملة من الأخلاق الحسنة الجميلة، وهي مفصلة في كتب التهذيب والرقاق والأدب؛ ولكن أحببت أن أجملها هنا؛ لنزن أنفسنا بها، وننظر إلى حالنا في التشبه بأنبياء الله ورسله والقرب منهم.
أولًا: الصدق في القول والعمل؛ مع الله ومع الناس، وترك الكذب بالكلية.
ثانيًا: الصبر واحتمال أذى الخلق، والحلم عنهم، وكظم الغيظ وكف الأذى، وعدم الانتقام للنفس؛ إلا أن تُنتهك حرمات الله؛ فينتقم المسلم لله -عز وجل-.
ثالثًا: الأناة وعدم الطيش والعجلة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ ) (رواه مسلم) .
رابعًا: العفة واجتناب القبائح والفواحش في القول والعمل، وفي الأموال والأعراض، والحياء من الله -عز وجل- ثم مِن الناس.
خامسًا: الكَرَم والجود والسخاء، وترك الشح؛ وهو السعي إلى أخذ ما في أيدي الناس، والبخل؛ وهو منع الحق الذي على الإنسان مما في يده، قال الله -عز وجل-: ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر:9) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .
سادسًا: الغيبة والنميمة وخيانة الأعين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المعذبين في قبريهما: ( أمّا أحَدُهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأَمّا الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِن بَوْلِهِ ) (متفق عليه) ، قال الله -عز وجل-: ( وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) (الحجرات:12) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (غافر:19) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّهُ لا يَنبغي لِنبيٍّ أنْ تَكُونَ لهُ خائِنَةُ الأَعْيُنِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .
سابعًا: الشجاعة وعزة النفس والقوة في الحق، والبذل من النفس والمال والجاه في سبيل نصرته، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس، وكذا الاستعداد لبذل المحبوب وإخراجه ومفارقته لأمر الله بذلك، ولنا الأسوة في ذلك في إبراهيم -عليه السلام- إذ بذل نفسه حتى أُلقِي في النار، وبذل ولده حين استعد لذبحه؛ امتثالًا لأمر الله -عز وجل-.
ثامنًا: الوفاء بالعقود والعهود والأمانات للأهل والأرحام والأصدقاء؛ وذلك أن كل الحقوق أمانة لدى الإنسان؛ فكل معاملاته مع مَن حوله وكل ما أمر الله -عز وجل- به فهي من عهد الله -عز وجل-، ومن الأمانات التي أمر أن تؤدى إلى أهلها، قال -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى? أَهْلِهَا ) (النساء:58) .
تاسعًا: البر والصلة والإحسان إلى الخلق، فالبر للوالدين وصلة للأرحام والإحسان إلى جميع المعاملين، بل ويشمل ذلك الإحسان في معاملة الحيوانات، كما قال الله -عز وجل-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (الإسراء:23) ، وقال ربنا -سبحانه وتعالى-: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (محمد:22-23) ، والإحسان قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ على كُلِّ شيءٍ، فَإِذا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) (رواه مسلم) .
عاشرًا: العدل والتوسط في شيم النفس بين الإفراط والتفريط؛ فكل الأخلاق الحَسَنة وسط بين طرفين؛ كل منهما مذوم، والخير في التوسط بينهما؛ فالجود وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والحياء وسط بين الوقاحة والجرأة المذمومة، وبين العجز والمهانة والخور والضعف، والحلم وسط بين الغضب والمهانة، والذل والمسكنة وسقوط النفس.
والتواضع والعزة المحمودة وسط بين الكبر والهوان، والقناعة وسط بين الحرص والتكالب والتنافس على الدنيا، وبين الخسة والمهانة، والتضييع وترك التنافس على المراتب السامية من طاعة الله ومرضاته، والصبر وسط بين الجزع والهلع والتسخط، وبين القسوة والغلظة وتحجر الطبع والفظاظة.
والرحمة وسط بين القسوة والضعف والجبن، وترك أوامر الله التي أمر فيها بأن لا تأخذ العباد فيها رأفة في دين الله، وطلاقة الوجه والتبسُّم والبِشْر في وجوه البَشَر وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد تكبرًا وعُجْبًا، وطي البِشْر عن البَشَر وبين الاسترسال في الضحك في كل موقف، ومع كل أحد حتى تزول الهيبة والوقار.