مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (52) آيات من القرآن في ذم القسوة (30)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ومن الصفات الجميلة التي حاز الرسل الكرام قَصَب السَّبْق فيها: الإيثار بالدنيا، ومقابلة الإساءة بالإحسان، قال الله -سبحانه وتعالى- في الإيثار: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر:9) ، وقال في مقابلة الإساءة بالإحسان: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) (المؤمنون:96) ، وكذلك أيضًا سرعة العفو والصفح وقبول المعذرة، قال -سبحانه وتعالى- عن يوسف -عليه السلام-: ( قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:92) ، بعد كل ما فعلوه.
والمروءة في اللسان: حلاوة المنطق وطيبه ولينه، والمروءة في الخُلُق: بسعته وانشراح الصدر في معاملة الخَلق، وفي المال: ببذله في مواقعه المحمودة شرعًا، وفي الجاه: ببذله للمحتاج إليه، وهذه المروءة من أهم الخصال التي تسبب نجاح الدعوة.
ومن هذه الصفات الحسنة: القُرب من الخَلْق حيث يجدونه في أزماتهم ومشاكلهم؛ يحمل الكَلَّ ويكسِب المعلدوم، ويَقْري الضَّيْف، ويعين على نوائب الحق، وبهذا عَلِمتْ خديجة -رضي الله عنها- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يخزيه الله أبدًا؛ بل ذلك مِن أدلة نبوته.
وكذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يحسن إلى الخادم والمملوك؛ فضلًا عن الأهل والأقارب والجيران، ويجالس المساكين ويجيب الدعوة؛ ولو إلى إهَالَةٍ سَنِخَة، ويمشي مع الأرملة والمسكين واليتيم في حوائجهم.
ومن علامات القرب من الناس أن يبدأ مَن لقيه بالسلام، وأن يكون خفيف المؤنة على مَن صحبه؛ لا يكلف غيره مؤنته؛ بل يحمل مؤنته ومؤنة غيره، ويحمل هَمَّ المسلمين، ويكون حكيمًا لينًا، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويعطي مَن حرمه، ويصل مَن قطعه، ويعفو عمَن ظلمه، لا يتكبر ولا يحسد ولا يتعالى على الخلق، ولا يبغي ولا يفخر، ولا يغش ولا يتبع الشهوات، ولا يخاصم لنفسه ولا يعاتب لها، ولا يماري ولا يجادل إلا بالتي هي أحسن، ولا يستقصي حقه، ويغضي عن عيوب مَن أساء إليه؛ فضلًا عمَن سواه إلا بحق الله -تعالى-، ويتغافل عن عثرات الأهل والأصحاب والناس؛ مع إشعارهم أنه لا يعلم لهم عثرة.
ومِن هذه الأخلاق الحسنة: توقير الكبير ورحمة الصغير، وأن يأتي إلى الناس بأفضل مما يحب أن يأتوا إليه، ويحسن عِشرة كل مَن عاشره مِن أم وأب، وبنت وابن، وأخت وأخ، وقريب وجار، وامرأة وصاحب ومملوك وكل مَن يعامله، والله المستعان وعليه التكلان.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنها سيئها إلا أنت، اللهم ارزقنا رفقة الأنبياء، وعيش السعداء، وموت الشهداء.
وصلى الله على نبينا محمد وسائر النبيين والمرسلين، وسلم وبارك عليهم وعلى أهلهم وصحبهم ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.