مكر (ماكرون) هو يبور!
الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالرئيس الفَرنسي -بفتح الفاء لا كسرها، نسبة إلى فرنسا- من مواليد 21 ديسمبر 1977 م، واسمه بالكامل: جان ميشال فريد فردريك ماكرون، درس الفلسفة في جامعة (نانتير لاديفونس) غرب باريس، وحصل على ماجستير في الشئون العامة من معهد الدراسات السياسية بباريس، وتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة عام 2004 م.
وتولى رئاسة فرنسا في 14 مايو2017م، وجاء فوز "ماكرون" برئاسة فرنسا ودخوله قصر الإليزيه بمثابة صدمة للأحزاب الفرنسية التقليدية التي كانت تتصارع فيما بينها على الحكم.
احتجاجات الفرنسيين على ماكرون:
لم يهنأ ماكرون بتوليه رئاسة فرنسا ودخوله قصر الإليزيه كثيرًا؛ إذ سرعان ما عانت فرنسا في شهر مايو عام 2018 م من اضطرابات سياسية واحتجاجات مستمرة، تمثَّلت في مظاهرات -لم ترتبط بحزب أو نقابة، بل ولم تُعرف لها قيادة معروفة- خرجت تندد بارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي الحركة التي أطلق عليها: (حركة السترات الصفراء)، لأن المشاركين فيها اختاروا السترة الصفراء كرمز لحركتهم، وقد اقترنت هذه المظاهرات بمصادمات مع الشرطة الفرنسية، وشابها أعمال عنف طالت المنشآت العامة والخاصة، وازدادت المظاهرات انتظامًا وتوسعت بحلول شهر نوفمبر 2018م مطالبة برفع الحد الأدنى للأجور وبإصلاحات ضرائبية؛ خاصة الضريبة الجديدة التي سنتها الحكومة؛ لأنها تستنزف الطبقة العاملة المتوسطة وتنحاز إلى الطبقة الغنية.
وقد ألحقت هذه الاحتجاجات خسائر ليست بالقليلة بالاقتصاد الفرنسي، كما تسببت في تراجع حركة وإيرادات السياحة، وهي أحد المصادر الأساسية للدخل في فرنسا، وقد تمادت هذه الاحتجاجات لتطالب باستقالة ماكرون وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
وقد ترتب على ذلك: هزيمة حزب ماكرون في نتائج انتخابات المجلس الأوروبي في فرنسا، وفوز قوى اليمين المتطرف في هذه الانتخابات الأوروبية؛ مما جعل زعيمة حزب التجمع المتطرف (ماريان لوبان) تدعو بعد هذا الفوز إلى حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، ثم أعلنت مؤخرًا أنها لن تترك الساحة خالية لماكرون -والذي كان قد أعلن نيته في الترشح لفترة رئاسية ثانية لفرنسا في عام 2022 م-، وأنها سوف تخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقد شهدت فرنسا في هذه الفترة حريق (كاتدرائية نوتردام) الشهيرة -أحد المعالم السياحية البارزة في باريس-، وهو الحريق الذي ألتهم أجزاءً مهمة، أبرزها: سقفها المصنوع من الخشب، ونوافذها المميزة، والعديد من الأعمال الفنية بها، وأدَّى ذلك إلى انهيار البرج الشهير الخاص بالكاتدرائية.
وما إن فترت الاحتجاجات الأسبوعية الدورية لحركة السترات الصفر بعد القرارات التي اتخذها ماكرون لزيادة الأجور وإرجاء زيادة سعر الوقود حتى ظهرت احتجاجات الطلاب والتلاميذ ضد خطط ماكرون الإصلاحية للتعليم التي اعتبروها تتسم بعدم المساواة بين الفرنسيين بالنسبة لحق الحصول على التعليم العالي، وتميِّز بين سكان الحضر وسكان الريف.
وتلا ذلك انطلاق حركة احتجاجية جديدة؛ بسبب مشروع التقاعد الذي تقدَّمت به الحكومة، والذي يقضي بإنهاء كل أنظمة التقاعد الخاصة البالغ عددها 42 نظامًا، ووضع نظام شامل يطبق عام 2022م يمنح معاشًا أدنى لجميع المتقاعدين قدره ألف يورو، وهو اعتبرته الحكومة نظامًا موحدًا يهدف إلى تحقيق العدالة، غير أن ذلك واجَه رفضًا من المستفيدين من أنظمة التقاعد الخاصة العديدة.
ماكرون وأزمة كورونا:
جاء ظهور فيروس كورونا في فرنسا في عام 2020م وهي تشهد اضطرابا سياسيا، ولم يكن رئيسها ماكرون يتمتع بالسكينة والهدوء، بل كان يخوض حربًا لم تتوقف بعد للدفاع عن منصبه كرئيس للجمهورية لم يكن معها مستعدًا تمامًا لمواجهة هذا الوباء.
ولهذا لم تبدأ الإدارة الفرنسية التحرك لاتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة فيروس كورونا المستجد؛ إلا بعد تسجيل نحو 5423 حالة إصابة وتسجيل 27 حالة وفاة، بل أن الحكومة أجرت الجولة الأولى من الانتخابات المحلية لاختيار رؤساء البلديات والمجالس البلدية في منتصف شهر مارس 2020م غير مكترثة بالأصوات المطالبة بتأجيلها بسبب غزو فيروس كورونا للبلاد، مكتفية باتخاذ الإجراءات الوقائية ضد الفيروس، وهي الانتخابات التي شهدت تراجعًا كبيرًا في نسبة المشاركة الانتخابية بالمقارنة بانتخابات عام 2014 م، خوفًا من الإصابة بالفيروس، وقد وجد فيها معارضو ماكرون -خاصة من اليمين المتطرف- الفرصة للنيل منه؛ مما أدَّى إلى تأجيل الجولة الثانية من الانتخابات، والتي كانت ستجرى بعد الجولة الأولى بأسبوع.
خطاب ماكرون في 16 مارس:
جاء خطاب ماكرون في 16 مارس2020 م ليفصل بين مرحلتين:
المرحلة الأولى: التي امتدت حتى منتصف مارس لم ترَ فيها الإدارة الفرنسية ضرورة اتخاذ أي إجراءات احترازية صحية أو اجتماعية أو اقتصادية، واكتفى فيها ماكرون بطمأنة الفرنسيين من خطر الفيروس القادم رغم أنه غزا أوروبا -خاصة بعض الدول المجاورة لفرنسا- بقوة، بل استضاف ماكرون 150 من عمالقة وكبار صناع الموضة على حفل عشاء حضره ثلاثة من وزرائه في نهاية شهر فبراير قبل إطلاق أسبوع الموضة العالمي، بغرض تبديد المخاوف من احتمال إفساد موسم الخريف والشتاء للموضة؛ خاصة وأن باريس هي عاصمة الموضة، ثم كان الإصرار على إجراء الانتخابات المحلية في شهر مارس.