مكر (ماكرون) هو يبور!
الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق
المرحلة الثانية: والتي بدأت في اليوم التالي لإجراء المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية التي لم تشهد الإقبال المتوقع من المواطنين، حيث أعلن ماكرون في خطابه في هذا اليوم أن البلاد تخوض حربًا ضد فيروس كورونا، وأعلن مجموعة من الإجراءات تضمنت فرض الحجر الصحي والعزل الاجتماعي والإغلاق الاقتصادي، حتى لا تقع فرنسا في أزمة صحية عنيفة كما عانت منها بشدة بعض الدول الأوروبية خاصة إيطاليا وإسبانيا، كما أعلن حزمة إجراءات احترازية لحماية الاقتصاد الفرنسي من التداعيات الاقتصادية للوباء. وقد استثمرت المعارضة في فرنسا اجتياح الفيروس المستجد للبلاد لمهاجمة إدارة ماكرون للأزمة من جديد؛ خاصة في ظل إعجاب قطاعات ليست قليلة من الفرنسيين بتجربة (ميركل) في ألمانيا في مواجهة أزمة كورونا، حيث أجريت نسبة كبيرة من الاختبارات والتحليلات، وتم زيادة أسرة العناية المركزة، ولم تتجاوز نسبة الوفيات في ألمانيا 2و1 % بينما بلغت نسبة الوفيات في فرنسا 7%، بل استقبلت مستشفيات ألمانيا عشرات من المصابين بالفيروس من الفرنسيين لعلاجهم.
جاء تحرك ماكرون كمحاولة للمحافظة على مكانته السياسية داخل بلده، ومكانة بلاده داخل أوروبا، وقد شارك ماكرون الرئيس الأمريكي ترامب في اتهام الصين بإخفاء حقيقة الفيروس المستجد وإخفاء الأعداد الحقيقية للإصابات والوفيات لديها نتيجة هذا الوباء.
في الأسبوع الثاني من مايو -أي: بعد قرابة الشهرين- خففت إدارة ماكرون قيود العزل الاجتماعي المفروضة، حيث مالت العديد من الدول الأوروبية إلى التعايش مع الفيروس المستجد منذ منتصف شهر إبريل، خاصة مع ضغوط رجال الأعمال الذين اعتبروا الغلق الاقتصادي كارثة، وحتى لا تتفاقم أزمة البلاد الاقتصادية، ولم يستمع ماكرون لتحذيرات عدد من المتخصصين في أمور الصحة، ولم يستمع أيضًا للنقابات العمالية المعارضة لإنهاء الحجر الصحي والعزل الاجتماعي وفتح الاقتصاد، بل أعلن ماكرون انتصار فرنسا على الفيروس، وقد قامت الإدارة الفرنسية بإجراء الجولة الثانية المؤجلة من الانتخابات المحلية، وهي الانتخابات التي شارك فيها حزب ماكرون للمرة الأولى بقوائم خاصة، والتي شهدت عودة الحزب اليميني الكلاسيكي (حزب الجمهوريين) بعد الانتكاسات المتلاحقة التي تعرض لها، بينما لقى حزب ماكرون فيها هزيمة واضحة، سارع بعدها ماكرون إلى تشكيل حكومة فرنسية جديدة (انظر في ذلك: كتاب "رؤساء وكورونا" تأليف عبد القادر شهيب - كتاب الجمهورية - أغسطس 2020 م - فصل: الرئيس الفرنسي وحرب الدفاع عن القصر، ص 127- 144) .
ماكرون يركب الموجة:
عانى ماكرون -كما بيَّنَّا- في قصر الإليزيه خلال عام 2019م من اضطرابات سياسية عنيفة؛ بسبب شدة تظاهرات واحتجاجات (حركة السترة الصفراء)، والتي تسببت في تراجع حزب ماكرون في انتخابات المجلس الأوروبي الفرنسي مقابل صعود قوى اليمين المتطرف.
وعانى ماكرون في عام 2020م من غزو فيروس كورونا المستجد لفرنسا، والذي تأخر ماكرون نسبيًّا في اتخاذ إجراءات مواجهته، وهو يرى تفشي الوباء في إيطاليا وإسبانيا، بينما نجحت ألمانيا في التعامل الجاد مع الوباء، وقد كان ذلك من أسباب تراجع حزب ماكرون في الانتخابات المحلية الفرنسية في هذا العام؛ جاء هذا التراجع في وقت كان قد أعلن فيه ماكرون مبكرًا نيته في خوض انتخابات الرئاسة الفرنسية لفترة ثانية.
ثم في سبتمبر2020م أعادت صحيفة فرنسية نشر رسومًا كاريكاتورية مسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم- كانت قد نشرتها من قبل من عدة سنوات؛ مما استفز المسلمين في فرنسا وخارجها وأثار غضبهم، وأعقب ذلك عملية قتل في أحد الشوارع قام بها لاجئ شيشاني الأصل روسي الجنسية؛ قتل فيها مدرسًا فرنسيًّا؛ لكونه أظهر هذه الرسوم المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم- مما أثار حفيظة عدة تلاميذ وأهاليهم.
وفوجئ الجميع بخروج ماكرون -وهو يمثِّل قمة الإدارة السياسية في فرنسا- بتصريح يعلن فيها حماية نشر مثل هذه الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ويهاجم فيها الإسلام والمسلمين بدعوى حماية قيم فرنسا العلمانية، متهمًا الإسلام بالإرهاب، وهو ما فسره الكثيرون على أنه محاولة من ماكرون لتحسن صورته أمام الفرنسيين، خاصة أمام قوى اليمين المتطرف لاستعادة بعض مما فقده هو وفقده حزبه من شعبية ستؤثر حتمًا على ترشحه للرئاسة لفترة ثانية، متجاهلًا بذلك مشاعر المسلمين في فرنسا، وعددهم يقارب الستة مليون مسلم، ومتجاهلًا مشاعر المسلمين في العالم كله، والذين يتعدى عددهم المليار ونصف مليار مسلم؛ مما أثار المسلمين في كل مكان ضد فرنسا، وسرعان ما ظهرت الدعوات بمقاطعة المسلمين في العالم للمنتجات الفرنسية، وهو ما استجاب إليه الكثير من المسلمين في كل مكان، وهو ما يؤثِّر قطعًا على الاقتصاد الفرنسي؛ مما جعل ماكرون يتراجع ويعتذر بصورة مغلَّفة زاعمًا أن تصريحاته أسيء فهمها.
القصة من بدايتها:
لم تكن الحروب الصليبية هي التاريخ الأسود الوحيد للغرب في بلاد المسلمين؛ إذ أعقبها الاستعمار العسكري الأوروبي للدول الإسلامية الذي بقي فيها لسنواتٍ طويلةٍ عانت فيه الشعوب الإسلامية المحتلة من كل ألوان الظلم والقمع والاستبداد، لم يكتفِ الأوروبيون باحتلال الأرض واستعباد الشعوب ونهب الثروات، بل حاولوا بكل السبل محو هوية هذه الشعوب، بفرض لغة المحتل وتضييع اللغة العربية، وتشويه الثقافة، والتشكيك في العقائد والثوابت.
وقد حافظ الإسلام على هوية الأمة أمام هذه المحاولات على شراستها، وقد أورث انتشار الإسلام في أوروبا -خاصة فرنسا- كراهية باطنية عمياء في باطن الأوروبيين، وبث فيهم خوفًا من دين الإسلام ومن الملتزمين به، بما عرف باسم: (الإسلامفوبيا)؛ خاصة من قوى اليمين المتطرف هناك، والتي تعادي الهجرة لأوروبا عامة، وهجرة المسلمين إليها خاصة، وهو الخوف الذي يتضاعف مع ازدياد انتشار الإسلام في أوروبا.