نور الله باق
أحمد مسعود الفقي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زال أعداء الإسلام منذ بعث الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، يكيدون له، ويحاولون القضاء عليه بكل ما أوتوا من قوة، ولقد حذَّرنا ربنا -عز وجل- من مكائدهم، وبيَّن لنا أنهم لا يألون جهدًا في طلب الإضرار بنا، وإن تظاهروا لنا بالمودة والصداقة، ولا يزالون يعملون ويجتهدون ويبذلون أقصى ما في وسعهم لكي يطفئوا نور، وهيهات أن يكون ذلك، فما أرسل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الهدى ودين الحق لا بد أن يتم ويظهر ويعلو ويهيمن، قال الله -تعالى-: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (التوبة:32) ، وقال -تعالى-: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (الصف:8) . ونور اللّه: دينه الذي أَرْسَل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه اللّه نورًا؛ لأنه يستنار به في ظلمات الجهل، فهؤلاء اليهود والنصارى ومَن شابههم من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلًا.
( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )؛ لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله جميعُ نواصي العبادِ بيده، وقد تكفل بحفظه مِن كل مَن يريده بسوء، ولهذا قال: ( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )، وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئًا. (انظر: تفسيرالسعدي) .
"فمثلهم في ذلك كمثل مَن يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه؛ فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال -تعالى- مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه: ( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (تفسير ابن كثير ).
ولنا مع هاتين الآيتين ست وقفات:
الأولى: دينُ الله، لا يوقفه حرب كافر، ولا تشغيب ملحد، ولا تلون منافق.
الثانية: صُدِّرت الآية بالفعل المضارع (يُرِيدُونَ): والذي يفيد التجدد والحدوث والاستمرار، وفي هذا دليل على أن أهل الباطل من الكفار والمنافقين لا يتوانون لحظة عن إرادة الشر بالدين وأهله، وإطفاء نور الله منذ ظهور هذا الدين، وإلى وقتنا وزمننا الحاضر، وستتجدد معهم تلك الإرادة وتستمر ما بقي هذا النور، وما بقيت فيهم قوة على النفخ، فلا عجب أن نرى تداعى أعداء الأمة، من كل حدب وصوب، وعلى اختلاف راياتهم وتنوع مذاهبهم، لوضع خطة لمواجهة هذا المد الإسلامي الجارف، في مشارق الأرض ومغاربها.
الثالثة: تكررت الآية في موضعين باختلاف لفظي بين الآيتين -في سورة التوبة وفي سورة الصف-: فقال الله -تعالى- في سورة التوبة: ( أَنْ يُطْفِئُوا )، وقال في سورة الصف: ( لِيُطْفِئُوا ) من قوله -تعالى-: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .
وهناك فرق بين اللفظتين؛ ففي آية التوبة: يقصد الكفار إطفاء نور الله -تعالى- مباشرة، وإرادتهم متوجهة إلى الغاية (الهدف) بشكلٍ مباشرٍ، أما في آية الصف فيقصدون أمرًا يتوصلون به إلى إطفاء نور الله، فهم يريدون إعداد الوسائل التمهيدية والطرق المناسبة التي تضمن الوصول لغايتهم، وهي إطفاء نور الله من خلال طرق غير مباشرة، فتجدهم يرفعون شعارات إصلاحية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها وسيلة لما يريدونه، ولا شك أن خطورة هؤلاء في هذه الحال (الثانية)، وهي حال الغايات والأهداف المخفية، أشد خطورة من الحال الأولى، التي يصرحون فيا بمراداتهم ويعلنون فيها غاياتهم.
ويقول المفسر مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُور -رحمه الله-: "الفرق بين الآيتين هو كالآتي: أن آية التوبة في الكفار، وآية الصف في المنافقين، فالكفار يحاربون الإسلام صراحة ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (التوبة:32) ، أما المنافقون فحربهم غير مباشرة فهم يعملون مشاريع وخططًا وأساليب ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ، فلما كانت إرادة الكفار صريحة قُوبلوا بإرادة قوية وصريحة ( وَيَأْبَى اللَّهُ )، أما المنافقون فلما كان قصدهم بمشاريعهم وخططهم إنقاص الدين قوبلوا بنقيض قصدهم ( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )" (التحرير والتنوير) .
وفي هذا بشارة لأهل الإسلام بالانتصار الدائم على أعداء الدِّين، سواء كانوا ظاهرين أو مندسين؛ فأبشروا فإن دين الله متين، وإن الحق سينتصر، وإن الله سبحانه و-تعالى- ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته إن أخذه أليم شديد.
الرابعة: شتان بين نور الله العظيم والأفواه الضعيفة:
من المقرر عند النَّحْويين أن المضاف يتأثر بالمضاف إليه تأثرًا كبيرًا، ولما أضيف النور إلى الله صار النور قويًّا عظيمًا، لأنه اكتسب قوته وعظمته من القوي العظيم -سبحانه-، أما إضافة الأفواه وهي الآلة المستعملة في النفخ على ما فيها من ضعف عضوي وعضلي، يزداد ضعفًا من خلال إضافتها إلى المريدين لإطفاء النور، وهم الضعفاء المهازيل، فكان فيها تهكم بإرادتهم، وتصغير وتحقير شأنهم، وتضعيف كيدهم، فهم بالمقارنة مع قوة الخالق -سبحانه- ضعفاء مهما أوتو من قوة، وعاجزين مهما استعملوا من آلة؛ فكيف إذا كانت الآلة أفواههم؟!
الخامسة: قوله -تعالى-: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ):