نور الله باق
أحمد مسعود الفقي • من نور الوحيين
الإباءُ: هو الامْتِناعُ بقوَّةٍ؛ فاللهُ -تعالى- هنا يأبى كُلَّ شيءٍ إلَّا إتمامَ نُورِهِ، وفي التَّعبيرِ بالفِعْلِ ( يَأْبَى ) من المُبالَغةِ والدَّلالةِ على شدة الامْتِناع، فهم يُريدونَ إطفاءَ النُّورِ، واللهُ الذي له جميعُ العَظَمةِ وكمالُ القُدْرةِ والعِزِّ ونفوذُ الكَلَمةِ ( يَأْبَى ) إلَّا أن يُتِمَّ نُورَه، ثُم يُجدِّدون الإرادةَ، واللهُ يَأْبَى، وما تَزالُ إراداتُهم تَتجدَّد، ويتجدَّد معها إباءُ العظيمِ- جلَّ وعلَا- وامتناعُهُ من كلِّ شيءٍ إلَّا إتمام النُّورِ، وذلك يَتناسَبُ مع الغايةِ الصَّريحةِ والجُرأةِ المُعلَنةِ التي ظَهَرتْ منهم في أَوَّلِ الآيةِ: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ )؛ فرايةُ الإطفاءِ لنُورِ اللهِ المُعلَنةُ بصراحةٍ وجُرأةٍ لا يُناسِبها إلَّا القوَّةُ في بيانِ الموقفِ الإلهيِّ.
أما قوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) أي: والله -تعالى- بقدرته التي لا يعجزها شيء، متم نوره، ومظهر دينه ومؤيد نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولو كره الكافرون ذلك، فإن كراهيتهم لظهور دين الله -تعالى- لا أثر لها ولا قيمة، فالآية الكريمة وعد من الله -تعالى- للمؤمنين، بإظهار دينهم، وإعلاء كلمتهم، لكي يزيدهم ذلك ثباتًا على ثباتهم، وقوة على قوتهم، وفيها بشارة لهم بأن ما هم عليه من حق، لا بد أن يعم الآفاق، وأن يبلغ ما بلغ الليل والنهار.
وعن تميم الدَّاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَرٍ إلَّا أدخله اللهُ هذا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .
وكان تميم الدَّاري يقول: "قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم الخيرُ والشَّرَف والعزُّ، ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا، الذُّل والصَّغَار والجِزْية".
السادسة: لقدِ اجْتَمعتْ في معاني هاتَينِ الآيتَينِ الصُّورُ التكامُليَّةُ التي تُظهِر بتفنُّنٍ حالَ دِينِ الحَقِّ، وإراداتِ أعدائِه وغاياتِهم ضِدَّهُ، لكن البيان لم يقف عند هذا الحد، بل يتأكد المعنى وتتضح الصورة من خلال الآية التي وردت بلفظ واحد بعد الآيتين في السورتين وهي قوله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (الصف:9)، أي: اللهُ وَحْدَه هو الذي بعَثَ رَسولَه محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بالعِلمِ النَّافِعِ المُشتَمِل على الإيمانِ الصَّحيحِ، ومعرفةِ الشَّرائِعِ والأحكامِ، وبَعَثَه بدِينِ الإسلامِ المُشتَمِل على الأعمالِ الصَّالحةِ النَّافعةِ في الدُّنيا والآخرة، ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) أي: ليُعلِيَ اللهُ الإسلامَ بالغَلَبةِ والانتصارِ على أهلِ الأديانِ، ويُعلِيَه بالحُجَّةِ والبُرهانِ على سائرِ الأديانِ، ولو كره ذلك المشركون، فإن الله مظهره لا محاله، فإن كراهيتهم لا أثر لها في ظهوره، وفي إعلائه على جميع الأديان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.